أحمد عبد الفتاح زواوي
56
شمائل الرسول ( ص )
ب - لما كان توجيه العتاب قد يفهم منه وقوع النبي في التقصير في الدعوة إلى اللّه - سبحانه وتعالى - ، بيّن - سبحانه وتعالى - أن هذا العتاب نتج بسبب أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم حّمل نفسه ما لم يكلف شرعا وهو التصدي للكافر ، قال - تعالى - : وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) ، فقد ترك النبي صلى اللّه عليه وسلّم الأمر السهل ، وهو إجابة سؤال المسلم ، وتعرض للصعب ، وهو دعوة الكافر للإسلام . ج - إرادة التهوين على النبي صلى اللّه عليه وسلّم وتسليته ورفع ما يشق عليه ، فبين اللّه عزّ وجلّ له أنه رسول ومبلغ ، وليس عليه هداية الناس ، إنما هذا لله وحده ، قال تعالى : وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) . 2 - ما كان عليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم من اجتهاد في تعليم الأمة حيث كان يقصده كل أحد من الناس - حتى الضرير الذي يشق عليه ذلك - ليسأله عن حاجته . 3 - صحة وقوع الاجتهاد للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فيما لا وحي فيه - وأن اللّه عزّ وجلّ لا يقره على اجتهاد صدر منه إلى خلاف الأولى ، وموضع الاجتهاد هنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم رأى أن الاسترسال مع الكافر ومحاولة هدايته إلى الإسلام أولى من إجابة سؤال المسلم الحريص على أمر دينه ، فالمسلم الذي جاء بمحض إرادته يسأل لا يخشى عليه الفتنة ، فالأمر بالنسبة إليه فيه سعة . قال الإمام القرطبي - رحمه اللّه - : ( قال علماؤنا : ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم مشغول بغيره ، وأنه يرجو إسلامهم ، ولكن اللّه - تبارك وتعالى - عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصّفّة ) « 1 » . 4 - بيان أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لم يكتم شيئا من أمر الوحي أبدا ، وأنه قد أدى أمانة تحمّل القرآن وتبليغه أحسن ما يكون ، ولو أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كتم شيئا من الوحي أو كان يسعه أن يكتم شيئا ، لكتم آيات العتاب . 5 - بذل النبي صلى اللّه عليه وسلّم غاية جهده لنشر دين اللّه عزّ وجلّ والدعوة إلى الإسلام ، واستنقاذ البشر من الكفر والضلال ، ولو تعرض في سبيل ذلك لأبلغ الأذى المادي والمعنوي ، المادي : كما حدث له صلى اللّه عليه وسلّم في الطائف ، أما المعنوي : لما عرض نفسه صلى اللّه عليه وسلّم على القبائل ، وفي الحادثة التي معنا التي تثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان يتصدى للكفار ، وقيل : معنى يتصدى أي : يتعرض لهم كما يتعرض العطشان للماء ، وانظر كيف كان حاله صلى اللّه عليه وسلّم وهو يدعوهم
--> ( 1 ) انظر الجامع لأحكام القرآن ( 19 / 213 ) .