أحمد عبد الفتاح زواوي
54
شمائل الرسول ( ص )
وأعزك ورحمك ، وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا ) ، وأضاف : ( قال بعض العلماء : إنما بدر منه ترك الأولى فقدم له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب ) « 1 » . بعض فوائد الآية الكريمة : الفائدة الأولى : عظيم حب اللّه - سبحانه وتعالى - لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم إذ دعا له بعفوه ، وتظهر عظمة هذا الدعاء أن جعل فاعل عفا هو لفظ الجلالة . وقد يكون قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ من باب الإخبار لا الدعاء ، فيكون هذا أبلغ في الحب والشفقة إذ أخبره - سبحانه وتعالى - أنه عفا عنه بالفعل الماضي قبل أن يوجّه له العتاب حتى يتيقن صلى اللّه عليه وسلّم أن هذا العتاب لن يؤثر مطلقا في مكانته عند ربه عزّ وجلّ . الفائدة الثانية : حاجة النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى عفو ربه الحنان المنان ، ولذلك دعا اللّه له بالعفو . ويتفرع عليه حاجة الناس كلهم جميعا إلى عفو ربهم من لدن آدم حتى أدنى رجل من المسلمين ، وعلى المسلمين أن يدعوا ليل نهار بعفو ربهم عسى أن يشملهم ويعمهم ، ومن سوء الأدب أن يشعر المسلم لصلاحه وتقواه أنه في غنى عن عفو ربه . الفائدة الثالثة : ثبوت صفة العفو لله عزّ وجلّ ، ويتفرع على ذلك ، أن على المسلم ألا ييأس من عفو ربه مهما بلغت ذنوبه ، وعليه أن يعلم أن اليأس من العفو هو كفر يخرج من ملة الإسلام ؛ قال تعالى : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [ يوسف : 87 ] . الفائدة الرابعة : عدم علم النبي صلى اللّه عليه وسلّم لأمور الغيب - إلا ما علّمه له اللّه - حيث أثبتت الآية أن إذن النبي صلى اللّه عليه وسلّم للبعض في التخلف عن الغزو جعله لا يعلم الصادق منهم والكاذب ، وهذا الغيب الذي لم يعلمه النبي صلى اللّه عليه وسلّم هو غيب نسبي ، فمن باب أولى فإنه صلى اللّه عليه وسلّم لا يعلم الغيب المطلق . الفائدة الخامسة : ذم صفة الكذب أعظم الذم ، حيث إن اللّه - سبحانه وتعالى - قد وصف بها الذين أظهروا طاعة اللّه ورسوله وأضمروا في قلوبهم المعصية ، قال مجاهد : ( نزلت هذه الآية في أناس قالوا : استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا ) « 2 » .
--> ( 1 ) انظر الجامع لأحكام القرآن ( 8 / 155 ) . ( 2 ) انظر تفسير الطبري ( 10 / 142 ) .