أحمد عبد الفتاح زواوي
53
شمائل الرسول ( ص )
رابعا : ألطف الخطاب في القرآن حتى عند معاتبته صلى اللّه عليه وسلّم 1 - اللطف عند العتاب : لم يقتصر لطف الخطاب الموجه للنبي صلى اللّه عليه وسلّم في القرآن الكريم على دفع ما ظاهره تكذيبه ، أو عدم الخطاب بما يوهم الهجر ، ولكن تعدى خطاب القرآن إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير ، تعدى إلى ما هو أجمل وأتم ، تعدى إلى اللطف عند العتاب ، وهل في العتاب رقة في التعبير ؟ نعم إذا كان العتاب بين حبيب وحبيبه ، إذا كان العتاب من اللّه - سبحانه وتعالى إلى صفوته من خلقه وخليله صلى اللّه عليه وسلّم وسنضرب لذلك مثلين من كتابه العزيز . الشاهد الأول : قال تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) [ التوبة : 43 ] هذا مثال للطيف عتاب اللّه - سبحانه وتعالى - لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم . وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أذن لطائفة من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك ، قال القرطبي - رحمه اللّه - : « قال قتادة وعمرو بن ميمون : اثنتان فعلهما النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولم يؤمر بهما : إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي ، وأخذه من الأسارى الفدية ، فعاتبه اللّه كما تسمعون » « 1 » . ووجه اللطف في هذا العتاب واضح جدّا : وهو أن اللّه عزّ وجلّ بدأ العتاب الكريم بالدعاء للنبي صلى اللّه عليه وسلّم بعفو ربه ، ذكر ابن كثير عن عون قوله : « هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذه ؟ نداء بالعفو قبل المعاتبة » ، كما ذكر أيضا قول قتادة : « عاتبه كما تسمعون ثم أنزل التي في سورة النور فرخص له أن يأذن لهم إن شاء فقال : فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [ النّور : 62 ] » « 2 » . وقال القرطبي : ( أي سامحك اللّه وغفر لك ما أجريت ، لم أذنت لهم في التخلف ، وكان عليك أن تمتحنهم ليتبين لك الصادق من الكاذب ، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق ) « 3 » . وقال القرطبي أيضا : ( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ هو افتتاح الكلام كما يقول : أصلحك اللّه
--> ( 1 ) انظر الجامع لأحكام القرآن ( 8 / 155 ) . ( 2 ) انظر تفسير ابن كثير ( 2 / 361 ) . ( 3 ) انظر الجامع للحكام القرآن ( 8 / 154 ) .