أحمد عبد الفتاح زواوي
44
شمائل الرسول ( ص )
وراء الحد الذي يبلغه بصوته وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه غالبا لكلامكم وجهره باهرا لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة وسابقته واضحة ) « 1 » . وأعتقد أن رفع الصوت المذكور في الآية من كبائر الذنوب ؛ لأن اللّه - تبارك وتعالى - رتب عليه عقوبة عظيمة وهي إحباط العمل ، كما سيأتي . الفائدة الثانية : في الآيات الكريمات مظاهر عديدة تدل على تعظيم شأن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ومن مظاهر ذلك : 1 - لم تقتصر الآية الأولى على تحريم رفع الصوت فحسب بل ضمت له أدبا اخر وهو تحريم الجهر له بالقول ، كما يجهر أفراد المسلمين بعضهم لبعض ، أي أن الحديث مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم ومناداته والخطاب معه يجب أن يكون متميزا عن الخطاب مع غيره من عموم المسلمين ، خطاب يدل على توقيره وإجلاله وتعظيم شأنه ، يوضح ذلك قوله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ، وقد وضح الإمام القرطبي طرفا من آداب الحديث مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم ومخاطبته بقوله : ( أي لا تخاطبوه : يا محمد ويا أحمد ولكن يا نبي الله ، ويا رسول اللّه توقيرا له ، وأضاف - رحمه اللّه - أي لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض . وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة ، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه فيما بينهم وهو الخلوة من مراعاة أبهة النبوة وجلالة قدرها وانحطاط سائر الرتب وإن جلّت عن رتبتها ) « 2 » . كما ذكر الشيخ السعدي - رحمه اللّه - تعالى - في تفسير قوله - تعالى : وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ما نصه : ( ولا يجهر له بالقول بل يغضّ الصوت ويخاطبه بأدب ولين وتعظيم وتكريم ولا يكون الرسول كأحدهم بل يميزه في خطابه كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة ووجوب الإيمان به والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به ) « 3 » . 2 - أن الآية لم تسوّ بين مقام النبوة ، ومقام أي فرد من أفراد الأمة مهما عظم شأنه وجل قدره ، حيث نهت الآية أن نسوّي حديثنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلّم بحديثنا مع جميع أفراد الأمة بدون تقيد لمنزلة أي فرد من أفراد الأمة لقوله - تعالى - : كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ، فدلت الآية أن
--> ( 1 ) انظر « الجامع لأحكام القران » ( 13 / 306 - 307 ) . ( 2 ) انظر « الجامع لأحكام القران » ( 16 / 306 ) . ( 3 ) انظر « تيسير الكريم الرحمن » ( 799 ) .