نجاح الطائي
60
السيرة النبوية ( الطائي )
الإسلام وهم على ما هم عليه من العداوة في أنفسهم ، فلمّا كان صلح الحديبية دخلت خزاعة في عقد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعهده ، وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطّلب ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عارفا بذلك ، ولقد جاءته يومئذ خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه أبي بن كعب وهو « باسمك اللّهمّ ، هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة ، إذ قدم عليه سراتهم وأهل الرأي ، غائبهم مقرّ بما قضى عليه شاهدهم . إنّ بيننا وبينكم عهود اللّه وعقوده ، مالا ينسى أبدا ، ولا يأتي لدا « 1 » ، اليد واحدة والنصر واحد ، ما أشرف ثبير ، وثبت حراء ، وما بلّ بحر صوفة « 2 » ، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلّا تجدّدا أبدا أبدا ، الدهر سرمدا » . فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف ! فكلّ حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلّا شدّة ، ولا حلف في الإسلام . وآخر ما كان بين خزاعة وبين كنانة أنّ أنس بن زنيم الدّيلي هجا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فسمعه غلام من خزاعة فوقع به فشجّه ، فخرج إلى قومه فأراهم شجّته فثار الشّرّ مع ما كان بينهم ، وما تطلب بنو بكر من خزاعة من دمائها . فلمّا دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية تكلّمت بنو نفاثة من بني بكر أشراف قريش - واعتزلت بنو مدلج فلم ينقضوا العهد - أن يعينوا بالرجال والسلاح على عدوهم من خزاعة ؛ وذكّروهم القتلى الذين أصابت خزاعة لهم ، وضربوهم بأرحامهم ، وأخبروهم بدخولهم معهم في عقدهم وعهدهم ، وذهاب خزاعة إلى محمد في عقده وعهده . فوجدوا القوم إلى ذلك سراعا . وجعلت بنو نفاثة وبكر يقولون : إنّما نحن ! فأعانوهم بالسلاح والكراع والرجال ودسوا ذلك سرّا لئلّا تحذر خزاعة ، فهم آمنون غارون بحال الموادعة وما حجز الإسلام بينهم . ثم اتّعدت قريش الوتير موضعا بمن معها ، فوافوا للميعاد ، فيهم رجال من قريش من كبارهم متنكرون متنقبون ؛ صفوان بن أمية ، ومكرز بن حفص بن الأخيف ، وحويطب بن عبد العزّى وأجلبوا معهم أرقّائهم ، ورأس بني بكر نوفل بن معاوية الدّيلي ؛ فبيتوا خزاعة ليلا
--> ( 1 ) اللد : الخصومة الشديدة . النهاية ، ج 4 ، ص 58 . ( 2 ) شرح على المواهب اللدنية ، ج 2 ، ص 345 . وثبير وحراء جبلان بمكة . معجم البلدان ج 2 ، ص 7 ؛ 239 .