نجاح الطائي
297
السيرة النبوية ( الطائي )
وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد هيأها لاستقبال المعضلات والمظالم وذلك من علائم النبوة له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ قال لها : يا فاطمة اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غدا ، فنزلت الآية الكريمة : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى « 1 » . وتختلف عائشة عن خديجة اختلافا منهجيا إذ كانت شديدة الأخلاق حادة الطبع عنيفة المجابهة ، وتحاول الاستفادة من شدتها في حل القضايا المعضلة عندها . قالت أم سلمة : استيقظ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذات ليلة وهو يقول : لا إله إلّا اللّه ما فتح الليلة من الخزائن ؟ لا إله إلّا اللّه ما أنزل الليلة من الفتن ؟ من يوقظ صواحب الحجر ، يريد به أزواجه . . . يا رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة « 2 » . في إشارة منه لنسائه المخالفات له ! حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هنا عام في الفتنة ، وإنّ منبعها مسكن عائشة ، فهل يقصد في ذلك اشتراكها في قتله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما جاء في الرواية أم يقصد اشتراكها في دعم مشروع السقيفة واغتصاب الخلافة ، أم تحركها الواسع لرفض الثقل الثاني بعد القرآن أي أهل البيت عليهم السّلام ، أم افتعالها معركة الجمل للمطالبة بدم عثمان وهي التي قتلته ، أم هو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقصد بحديثه المذكور مجموع تلك الفتن وغيرها التي صنعتها أم المؤمنين عائشة ، أو اشتركت في حياكتها . وكانت لحفصة وعائشة منزلة مشهودة في الشدّة والقسوة في التعامل مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فنزلت في حقهما آيات قرآنية تشهد على ذلك ، كما ذكرنا في هذا الموضوع إلّا أنّ منزلة عائشة أم المؤمنين كانت أشد بحيث أشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى منزلها بأنه دار الفتنة ثلاث مرّات . ولم تؤثر طول مدة الرفقة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في عائشة والبالغة عقدا من الزمان ، فقد بقيت شديدة قاسية لا ترحم من تبغض ولا تتوانى في الدفاع عمن تحب . ومنطقها منطق أهل الجاهلية كما قال الشاعر : لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا فالجاهلي كان يحب ويبغض طبقا لعصبيته ، ويثأر لها بكل السبل المتاحة ، ولا يتوانى عن
--> ( 1 ) الضحى 5 . كنز العمال 12 / 422 . ( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب اللباس 4 / 33 ، صحيح الترمذي ( الجامع 4 / 488 ) ، ومسند أحمد ( الفتح 32 / 34 ) .