نجاح الطائي

273

السيرة النبوية ( الطائي )

فلم يكتف ابن دحلان بتبرير قضية عصيان أبي بكر لحملة أسامة ، فقال : إنّ تخلّفه ( أبا بكر ) كان بأمر منه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لأجل صلاته بالناس ، وفيه إشارة إلى أنّه خليفة بعده « 1 » . إنّ أبا بكر لم يذهب إلى معسكر أسامة في الجرف ، ولم يبق في المدينة عند النبي المريض صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل ذهب إلى زوجته في السنح ( خارج المدينة ) ! ووجوده في السنح ينفي قضيّة صلاته بالناس ، ويؤكّد عصيانه لحملة أسامة . ولولا مبعوث عمر لأبي بكر بموت الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لبقي هناك مدّة أطول . وكتب أسامة إلى أبي بكر : اعلم أنّي ومن معي من المهاجرين والأنصار وجميع المسلمين ما رضيناك ولا وليناك ، فاتق اللّه ربك وإذا قرأت كتابي هذا فاقدم إلى ديوانك الذي بعثك فيه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا تعصه ، وأن ترفع الحق إلى أهله فإنّهم أحقّ به منك « 2 » . والدليل الثالث : إنّ عمر بن الخطاب استمرّ في معارضته لقيادة أسامة بن زيد تلك الحملة بعد تولي أبي بكر السلطة ، بالرغم من الغضب النبوي الشديد ، وتأكيده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على صلاحيّة أسامة للقيادة ! إذ قال عمر بن الخطاب لأبي بكر : « إنّ الأنصار أمروني أن أبلّغك ، وإنّهم يطلبون إليك أن تولّي رجلا أقدم سنا من أسامة . فوثب أبو بكر ، وكان جالسا فأخذ بلحية عمر ، فقال له : ثكلتك أمّك وعدمتك يا ابن الخطاب ، استعمله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتأمرني أن أنزعه » « 3 » . وهكذا توضّح أنّ مخالفة الجماعة لقيادة أسامة ، لم تكن إلّا عذرا ، الهدف منه البقاء في المدينة إلى ما بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للسيطرة على الحكم . . . وهؤلاء قد أدركوا قصد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأهدافه في بيعة الغدير ، وفي طلبه كتابة الوصيّة لعلي عليه السّلام وأمره بإخلاء المدينة من وجوه المهاجرين والأنصار . ولمّا تمّ لأبي بكر السيطرة على الحكم لم يبق موجب لمعارضة تلك الحملة وقيادتها ! وفعلا سيّرها أبو بكر إلى الشام بقيادة أسامة بن زيد .

--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) تثبيت الإمامة ص 20 ، يحيى بن الحسين بن القاسم اليمني المتوفّى سنة 298 هجرية . ( 3 ) تاريخ الطبري 2 / 462 ، تاريخ أبي الفداء 1 / 220 .