نجاح الطائي
173
السيرة النبوية ( الطائي )
بعد عودة رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم من الطائف أقام في المدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمن عسرة من الناس وشدّة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار وأحيت الظلال . فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه ، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى الشام للمطالبة بدم جعفر بن أبي طالب والرغبة في نشر الإسلام فحضّ أهل الغنا على النفقة فأتوا بنفقات وقوّوا الضعفاء . وسمي هذا الجيش بجيش العسرة لقلة النفقات وسميت الغزوة بغزوة الروم . وتبوك موضع بين وادي القرى والشام « 1 » . والمسلمون في ثلاثين ألفا من الناس والخيل عشرة آلاف فرس « 2 » . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قلّما يخرج في غزوة إلّا كنى عنها وأخبر أنّه يريد غير الذي يصمد له إلّا ما كان من غزوة تبوك فإنّه بيّنها للناس لبعد الشقّة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له ليتاهب الناس لذلك ، وأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم فتجهز الناس على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه وقد عظّموا ذكر الروم وغزوهم . ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول اللّه وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم فاستحملوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكانوا أهل حاجة فقال : لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ « 3 » قال فبلغني أن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد اللّه بن مغافل وهما يبكيان فقال لهما ما يبكيكما . قالا جئنا رسول اللّه ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا فارتحلاه وزوّدهما من تمر فخرجا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وجاء المعذّرون من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم اللّه عز وجل وكانوا من بني
--> ( 1 ) معجم البلدان 2 / 14 . ( 2 ) عيون الأثر 2 / 254 . ( 3 ) التوبة 92 .