عبد الشافى محمد عبد اللطيف

88

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ومنها مسألة اليهود ، فبدون أن يحسم الموقف مع قريش لا يمكن أن تنطلق الدعوة الإسلامية إلى الآفاق العالمية ، ولا يمكن أن يحسم مع أعداء الدعوة الآخرين ، فيجب أن تتوجه الجهود إلى قريش ؛ لأنها أقوى وأشرس أعداء الدعوة على الإطلاق في هذه المرحلة ؛ لهذا كانت قريش أولا . بعد نجاح النبي صلّى اللّه عليه وسلم في تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة ، وبعد أن اطمأن به وبأصحابه المقام ، اتجه ناحية مكة وقريش بالذات ؛ ليس فقط لأن مكة هي أحب بلاد اللّه إليه ، ولكن لأن عداء قريش للإسلام وموقفها الشرس منه كانت له انعكاساته السلبية على بقية القبائل في شبه الجزيرة العربية . فما دامت قريش لم تسلم ولم تذعن للّه ورسوله ، فإن بقية القبائل العربية - أو معظمها - سوف تحجم عن الاقتراب من الإسلام ، أو بمعنى آخر سوف تكون حركة الدخول في الإسلام محدودة ، وليس في هذا الكلام أية مبالغة ، فقد كان واضحا أن قسما من قبائل العرب كان يحجم عن الدخول في الإسلام خوفا من قريش وسطوتها ، وقسما آخر كان يجاملها لمركزها وسلطانها ومكانتها بين العرب التي هيأها لها جوارها للبيت العتيق . وكذلك لثرائها الذي حققه لها نشاطها التجاري الواسع بمقاييس عصرها . وهل يخضع الناس لغير سلطان القوة والمال في أي زمان ومكان ؟ وهل لو كانت قريش أسملت وتابعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منذ البداية هل كان يلقى ما لقي من صدّ وإيذاء العرب الآخرين ؟ ولو كانت قريش تابعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وآمنت به يوم ذهب إلى الطائف يعرض نفسه على ثقيف « 1 » هل كان الثقفيون يجدون الجرأة على أن يصنعوا به ما صنعوا من السخرية والاستهزاء والإيذاء ؟ أم أن ثقيفا صنعوا به ما صنعوا ؛ لعلمهم أن قريشا - وهم أهله وعشيرته - لن يسكتوا على ذلك قط ، بل إن ذلك سيسعدهم وسيتشفّون به لدرجة أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يستطع أن يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عديّ « 2 » . بل لعل ثقيفا بالغت في إيذاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم والسخرية منه لعلمها أن ذلك يسعد مشركي قريش ويسرّهم . وبالفعل فرحوا كثيرا ، وأخذوا يتناقلون أخبار رحلته إلى

--> ( 1 ) انظر رحلة النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى ثقيف وعرض نفسه على غيرها من القبائل في سيرة ابن هشام ( 2 / 28 ) وما بعدها . وابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 149 ) وما بعدها . ( 2 ) انظر ابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 154 ) .