عبد الشافى محمد عبد اللطيف
89
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الطائف في نشوة . وهل كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يجد من الصدّ من قبائل العرب مثل ما وجد لو خلّت قريش بينه وبين تلك القبائل يدعوها إلى الإيمان باللّه الواحد الأحد ؟ كلّا ؛ بل كانت قريش تلاحقه وتسبقه إلى تلك القبائل ، وكان أقرب الناس إليه من بني هاشم ومن أعمامه بالذات أبو لهب - عليه لعنة اللّه - ينفّر الناس منه ومن دعوته ، قال ابن إسحاق : وحدّثني حسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عباس ، قال : سمعت ربيعة بن عباد يحدّثه أبي ؛ فقال : إني لغلام شاب مع أبي بمنى ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول : « يا بني فلان ، إني رسول اللّه إليكم ، يأمركم أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي وتصدّقوني ، وتمنعوني حتى أبينّ عن اللّه ما بعثني به » قال : وخلفه رجل أحول . . . فإذا فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قوله ، وما دعا إليه ، قال ذلك الرجل : يا بني فلان ، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللّات والعزّى من أعناقكم . . . إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تطيعوه ، ولا تسمعوا منه ، قال : فقلت لأبي : يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال : هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب - أبو لهب - « 1 » . لكل ذلك كان من الضروري معالجة موقف قريش وحسمه - إن سلما وإن حربا - حتى تنطلق الدعوة وتشقّ طريقها في شبه جزيرة العرب ، ومنها إلى العالم في أرجاء الأرض . وقد يقول قائل : كان هذا في مكة ، ورسول اللّه هناك يسفّه أحلامهم ويعيب آلهتهم ، حيث كانوا يعتبرون ذلك إهانة لهم لا يمكنهم السكوت عليها ، أمّا الآن وقد هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلم من مكة وتركها بمن فيها وما فيها ، ووجد في المدينة أنصارا آمنوا به وآزروه وأسّس دولته هناك ، وقد تغير الموقف تغيرا كبيرا عما كانت عليه الحال قبل الهجرة ، أفما كان الأجدر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يدع قريشا وشأنها ، وأن يدعو إلى دينه من موطنه الجديد ، وأن يجنّد كل طاقاته لهذه الدعوة ، بدلا من التربّص بقريش والاستعداد لها ، ومضايقتها في تجارتها ، وأن يغض النظر عما كان منها قبل الهجرة فهذه مرحلة قد انتهت ؟ ويمكن أن يكون هذا الكلام صحيحا لو أن الهجرة كانت نهاية المتاعب من ناحية قريش ، ولو كان نسيان طرد المسلمين من ديارهم
--> ( 1 ) ابن هشام ( 2 / 32 ) ، وابن كثير - السيرة النبوية ( 2 / 155 ، 156 ) .