عبد الشافى محمد عبد اللطيف

87

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

أو بمعنى آخر أصبح الإسلام دعوة تحميها الدولة ، فالدولة الإسلامية كانت - منذ وجدت - ويجب أن تبقى - سواء أكانت دولة واحدة أو أكثر من دولة - في خدمة الدعوة الإسلامية ، وقائمة على أساس شريعة اللّه كما جاءت في كتاب اللّه وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام . وفي مكة لم تكن الظروف مواتية لقيام دولة الإسلام ، أما في المدينة فقد أصبحت الظروف مواتية ؛ ولذلك لم يضع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وقتا في المدينة ، فقد شرع منذ الأيام الأولى في تأسيس الدولة الإسلامية . وليس من شأن هذا البحث أن يتعرض لنشأة الدولة الإسلامية ، وحسبنا أن نقول : إنه أقام بين المهاجرين والأنصار المؤاخاة ونشر السلام العام وأسّس المسجد ليقوم بوظيفته الشاملة التي أرادها له الإسلام . * التحديات الكبرى أمام الدولة الوليدة : إذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد نجح في إقامة دولة الإسلام في المدينة ، على النحو الذي أشرنا ورتّب العلاقات السليمة بين سكانها جميعا ، وإذا كان اللّه تعالى قد مكّن له ولأصحابه في هذا البلد وجعل كلمته هي العليا ، فليس معنى هذا أن المتاعب قد انتهت ، ولم يغب عن فكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن هذه الدولة الوليدة تحيط بها أخطار جسيمة من كل جانب ، أخطار ليس أقلّها خطر اليهود القابعين في المدينة وحولها ، يحيكون المؤامرات ويبثون الشائعات ، فهؤلاء اليهود وإن كانوا لم يقاوموا دخول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم المدينة أوّل الأمر ، فإن ذلك لم يكن حبّا منهم في الرسول وإيمانا بدعوته ، ولكن كان عجزا ، فلما استقر الرسول في المدينة ، وأقام الدولة ، ورأوا أمره وأمر المسلمين في صعود ، وأمر دعوته يزداد انتشارا بين العرب سواء في المدينة أو خارجها ، عندئذ تحركت أحقادهم ومكائدهم ، ولسنا الآن بصدد الحديث غن علاقات المسلمين باليهود حتى نفصل القول فيما كان من أمر يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ، وحتى يهود خيبر التي أصبحت وكرا للتامر على المسلمين ، وحتى نفصل القول فيما كان من أمر النبي معهم . ولقد كان المنطق يقضي بأن يطمئن اليهود في كنف المسلمين ينعمون بالأمن والحرية التي منحهم إياها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في معاهدة مكتوبة ، ولكن متى كان اليهود أهل منطق سليم ؟ ومتى كانوا أهل وفاء وحفظ للجميل ؟ على كل حال نحن الآن بصدد العلاقات بين المسلمين وقريش ؛ فقريش هي العدو الرئيس في هذه المرحلة ، ولذلك أعطى النبي صلّى اللّه عليه وسلم لجبهة قريش الأولوية على ما عداها ، وأجلّ غيرها من المسائل