عبد الشافى محمد عبد اللطيف
64
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
لولا نزل هذا القرءان على رجل من الفريتين عظيم ) * ، يشير إلى أن قريشا وثقيفا نظروا إلى الموقف نظرة واحدة ، واعتبروا قضيتهم واحدة ، وكان من الطبيعي أن تحسب قريش حسابا لثقيف ، إذ لو أسلمت ثقيف وشرح الله صدرها للإسلام ، لتغير الموقف كله . وكان ثقيف من جانبها حريصة على علاقاتها مع قريش ، لذلك لما ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم لدينه ويلتمس نصرتهم ، رأوها فرصة لإظهار ولائهم لقريش ، فلم يكتفوا بعدم الإيمان به ونصرته ، بل سبوه وآذوه ، ورفضوا رجاءه بكتمان الأمر ، بل أذاعوه ، وربما كانوا حريصين على إذعته بتعمد لتعلم قريش . ولخطورة هذا الموقف نشير إليه بإيجاز - رغم شهرته - لدلالته على موقف ثقيف من الإسلام في هذه المرحلة . * رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف : عندما فكر النبي صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى ثقيف في ديارها ، كان يمر بأحرج اللحظات في المرحلة المكية من الدعوة ، فقد مات عمه أبو طالب ، وزوجه خديجة رضي الله عنها ، وكان أكبر عون له على دعوته ، وسدت في وجهه السبل ، واشتد أذى قريش له ، وكان لا بد أن يبحث عن مخرج ، ففكر في الذهاب إلى ثقيف . وندع ابن إسحاق يصور لنا هذا الموقف العصيب الذي أحاط بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول : " إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة ، وكان له وزير صدق على الإسلام ، يشكو إليها . وبهلك عمه أبي طالب ، وكان له عضدا وناصرا وحرزا في أمره ، ومنعة وناصرا على قومه ، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين ، فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب . وقال صلى الله عليه وسلم : " وما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب " . . فخرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ، والمنعة بهم من قوله ، رجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عجل الله ، فخرج إليهم وحذه ، ونزل على ثلاثة إخوة من سادة ثقيف وزعمائها ، وهم عبد باليل بن عمرو بن عمير ، ومسعود بن عمرو بن عمير ، وحبيب بن عمرو عمير . . وعندهم امرأة من قريش من بني جمع ، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الله ، وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام ، والقيام به على من خالفه من قومه ، فقال له أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان