عبد الشافى محمد عبد اللطيف

65

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

اللّه أرسلك ، وقال الآخر : أما وجد اللّه أحدا يرسله غيرك ، وقال الثالث : واللّه لا أكلمك أبدا ، لئن كنت رسولا من اللّه كما تقول ، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على اللّه ما ينبغي لي أن أكلمك » « 1 » . هذا هو موقف زعماء ثقيف من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد تخلوا حتى عن أبسط مبادئ الرجولة والنخوة العربية ؛ إذ لم يكفهم أنهم خيبوا أمله فيهم ولم يؤمنوا به ولم ينصروه ، بل سبوه وأغروا به سفهاءهم يصيحون به ويشتمونه ويقذفونه بالحجارة . ورفضوا أن يكتموا أمره ، حيث كان يخشى انعكاس الموقف على أهل مكة وشماتتهم به ، لكنهم لم يكتموه بل تعمدوا إظهار موقفهم المخزي هذا ، لتطمئن قريش على موقفهم معها ومعاضدتها في عدائها للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وسبب له ذلك حرجا وضيقا ، فلم يستطع دخول مكة إلا في جوار المطعم بن عدي ، ولم يكونوا يدرون أنهم بذلك فوتوا على أنفسهم فرصة نادرة ، فلو قبلوا منه ونصروه لسموا أنصارا ، ولكن هذا شرف كان اللّه تعالى قد ادخره لقوم آخرين . ولن يمر وقت طويل حتى يهيئ اللّه تعالى لدينه ونبيه أنصارا ودارا آمنة في المدينة ، وسيتمكن من دحر قريش وإجبارها على قبول الإسلام كارهة ، بعد أن رفضته طائعة . وبعد إذعان قريش تحت قوة السلاح ، سيأتي دور ثقيف . فبعد إذعان قريش لم يعد في طاقة أحد من العرب أن يقف في وجه الدعوة التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . وصدق اللّه العظيم إذ يقول : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التوبة : 32 ، 33 ] . * الحالة الدينية في المدينة قبيل البعثة : المدينة المنورة ؛ ذلك هو الاسم الذي أصبح أشهر الأسماء لمدينة يثرب الحجازية « 2 » ، بعد أن هاجر إليها كامل النور محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا يسمح لنا المقام في هذا الحديث أن نخوض في تاريخ يثرب القديم ، وتطورها وعناصر سكانها عبر مراحل هذا

--> ( 1 ) ابن هشام - المصدر نفسه ( 2 / 25 ، 29 ) ، الزخرف ( 32 ، 33 ) ، السهيلي - الروض الأنف ( 4 / 33 ، 35 ) ، عيون الأثر ( 1 / 134 ) . ( 2 ) يقول ياقوت : « ولهذه المدينة تسعة وعشرون اسما ؛ وهي المدينة وطيبة وطابة ، والمسكينة والعذراء . . . » إلخ انظر معجم البلدان ( 5 / 83 ) .