عبد الشافى محمد عبد اللطيف

61

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وكان للطائف مكانة قريية من مكانة مكة ذاتها ، ويجمع المفسرون على أنها هي المقصودة في الآية الكريمة التي تحكي تهكم زعماء مكة والطائف بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي قوله تعالى : * ( وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من الفريتين عظيم ) * ( الزخرف : 31 ) ( 1 ) . والطائف لم تكن تداني مكة في المنعة والمكانة الاجتماعية فحسب وإنما في الوثنية كذلك ، حيث كانت مركزا كبيرا من مراكزها في الحجاز ، وموطنا لواحدة من أكبر آلهاة العرب الوثنية وهي اللات ( 2 ) التي كان لها فيها بيت مشهور ، مكانته عند أهل الطائف مقدسة ، وكان سدانته لآل أبي العاص من ثقيف . ولم تكن عبادة اللات خاصة بأهل الطائف وحدهم ، بل كانت قريش وجميع العرب تعظمها ، وكانت يسمى بها " زيد اللات " " وتيم اللات " . وظلت اللات تعبد في ثقيف إلى أن أسلمت ثقيف بعد الفتح ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمها ( 3 ) . إذن الطائف مدينة ذات مكانت اجتماعية مرموقة تطاول بها مكة ، وهي كذلك مركز من مراكز الوثنية في بلاد العرب ، فكيف استقبلت الدعوة الإسلامية ؟ * صدى الدعوة في الطائف : ذكرنا آنفا أن الأوضاع الاجتماعية والدينية ، تكاد تكون متشهابهة في كل من مكة والطائف ، وكان كل شيء ينذر بالتغيير - وبصفة خاصة في الأوضاح الدينية - فكما كان في مكة رجال ينفرون من عبادة الأوثان ، بل يسفهونها ويعيشون لحظات قلق وحيرة وترقب ، كان في الطائف كذلك من يمثل هذا الاتجاه ، مثل شاعر ثقيف المشهور أمية بن أبي الصلت ، فقد كان من الذين عزفوا عن عبادة الأوثان ، وآمن بالبعث وعبر عن ذلك في كثير من شعره ، فمن قوله في ذلك كما يروي ابن إسحاق : إن آيات ربنا ثاقبات * لا يماري فيهن إلا الكفور خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابة مقدور كل دين يوم القيامة عند الله * إلا دين الحنيفية يبور ( 4 )

--> ( 1 ) وانظر تفسيرها في : تفسير القرطبي ( 25 / 64 ، 65 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآيتين 19 ، 20 من سورة النجم في تفسير القرطبي ( 17 / 99 ) ، والأزرقي - أخبار مكة ( 1 / 126 ) ، وابن هشام - السيرة ( 1 / 87 ) . ( 3 ) تفسير القرطبي ( 17 / 99 ) . ( 4 ) ابن هشام - السيرة ( 1 / 63 ، 64 ) ، وابن قتيبة - المعارف ، تحقيق د . ثروت عكاشة ، الطبعة الثانية ، دار المعارف ، مصر ( ص 58 - 61 ) .