عبد الشافى محمد عبد اللطيف

62

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

حتى يروى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال وقد روي له بعض شعر أمية : « أمية آمن شعره وكفر قلبه » « 1 » ؛ لأن الرجل رغم عزوفه عن عبادة الأوثان وإيمانه بالبعث إلا أنه لم يؤمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم حينما جاءته رسالة التوحيد ؛ لأن الحسد أكل قلبه على النبي صلّى اللّه عليه وسلم « 2 » ، شأن الكثيرين - سواء في مكة أو الطائف - من الذين حسدوه صلّى اللّه عليه وسلم على النبوة وكانوا يرون أنفسهم أحق بها ، ولكن اللّه تعالى رد عليهم أبلغ رد بأن النبوة هبة من الخالق يهبها لمن يشاء من عباده ، فعندما قالوا : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] ، قال : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الزخرف : 32 ] . « وللحسد والتنافس والتنازع في هذه النفوس البدوية من عميق الأثر ما يخطئ الإنسان إذا هو حاول الإغضاء عنه أو لم يقدره حق قدره » « 3 » . وقد أعمى الحسد بصائرهم عن إدراك الحقيقة ، فأمية بن أبي الصلت - الذي كان يبشر في شعره بدين جديد - دفعه الحسد لأن يتخذ من النبي صلّى اللّه عليه وسلم موقفا معاديا ، فلم يؤمن به ، بل أكثر من ذلك أظهر تعاطفه مع قريش ، حتى إنه حزن على قتلاها في بدر ورثاهم بشعر كثير « 4 » . معنى ذلك أن صدى الدعوة أخذ يتردد في الطائف منذ وقت مبكر ، فالمسافة بين مكة والطائف ليست طويلة ، والركبان لا تنقطع بين المدينتين لتشابك المصالح وترابط العلاقات ، فكل ما يحدث في مكة - وبصفة خاصة إذا كان أمرا كالدعوة الإسلامية - لابد أن يكون له صدى في الطائف ، ولكن رغم ذلك فإن المصادر لا تحدثنا عن ميل أحد من أهل الطائف إلى الإسلام من ناحية ، ولم تحدثنا كذلك عن موقف عدائي إيجابي ضد النبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن يتصل بهم في رحلته المشهورة إليهم ، والتي كانت في العام العاشر للبعثة . والذي يبدو لنا أن أهل الطائف اعتبروا أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ودعوته في مكة ، أمرا داخليّا يخص قريشا وحدها ، ولم يشاؤوا أن يقحموا أنفسهم في هذا الأمر ، ولكن إذا جاز لنا أن نتعرف على أسباب وقوف الطائف هذا الموقف من دعوة النبي ، فإن

--> ( 1 ) محمد حسين هيكل - حياة محمد ، الطبعة السابعة ، ( القاهرة : دار القلم ) ( ص 75 ) . ( 2 ) جواد علي - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ( الطبعة الأولى ، بيروت : دار العلم للملايين ) ( 9 / 753 ) . ( 3 ) محمد حسين هيكل - المرجع نفسه ( ص 176 ) . ( 4 ) ابن هشام - المصدر نفسه ( 2 / 401 ) وما بعدها ، جواد علي - المرجع السابق ( 9 / 753 ) .