عبد الشافى محمد عبد اللطيف

51

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

السّندي ، الذي وصفة الإمام أحمد بن حنبل بأنه كان بصيرا بالمغازي « 1 » . وقد ألف فيها كتابا ذكره ابن النديم في الفهرست ، اقتبس منه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى في الجزء الخاص بالسيرة النبوية وكذلك الطبري . وقد استفاد الواقدي كثيرا من علم أبي معشر خاصة في المغازي والتاريخ عندما تتلمذ عليه وهو في المدينة « 2 » . وقد اتصل الواقدي بالخلفاء العباسيين ، بدا من هارون الرشيد عن طريق علمه وسعة معلوماته عن الغزوات ومشاهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد روي أن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما حجّ في أول سنة من خلافته ( سنة 170 ه ) ، قال ليحيى بن خالد البرمكي : « ارتد لي رجلا عارفا بالمدينة والمشاهد ، وكيف كان نزول جبريل عليه السّلام على النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ومن أي وجه كان يأتيه ، وقبور الشهداء . فسأل يحيى بن خالد عن العالم الذي تتوفر فيه تلك الصفات التي طلبها الخليفة فدله الناس على الواقدي ، وذلك حسب قوله هو - أي : الواقدي - فقد قال : « كلهم دلّه عليّ ، فبعث إليّ فأتيته ، وذلك بعد العصر ، فقال لي : يا شيخ ؛ إن أمير المؤمنين - أعزه اللّه - يريد أن تصلي العشاء الآخرة في المسجد ، وتمضي معنا إلى هذه المشاهد ، فتوقفنا عليها ففعلت ، ولم أدع موضعا من المواضع ، ولا مشهدا من المشاهد إلا مررت بهما - يعني الخليفة هارون الرشيد ووزيره يحيى بن خالد البرمكي - عليه ، ومنحاه مالا كثيرا وطلب إليه يحيى بن خالد البرمكي - الذي كانت كلمته نافذة في الدولة العباسية كلها في ذلك الوقت - أن يصير إليه في العراق ، ففعل ، وتوطدت صلته به وأغدق عليه كثيرا من الأموال وأخلص هو في حبه للبرامكة ، حتى أنه بعد نكبتهم المشهورة ( سنة 187 ه ) كان كثير الترحم على يحيى بن خالد كلما ذكر اسمه . ورغم صلة الواقدي القوية بالبرامكة إلا أن مكانته في بلاط خلفاء بني العباس ظلت كما هي ولم ينله ضرر بسبب تلك الصلة بعد نكبتهم ، بل ازدادت مكانته وثقة الخلفاء فيه إلى الحد الذي جعل المأمون يوليه القضاء في عسكر المهدي ، وهي المحلة المعروفة بالرصافة في شرق بغداد . وكان المأمون كثير الإكرام له ، ويداوم على رعايته ، وظل في منصب القضاء حتى وفاته ( سنة 207 ه ) على أرجح الأقوال .

--> ( 1 ) انظر ضحى الإسلام ( 2 / 333 ) . ( 2 ) انظر ضحى الإسلام ( 2 / 333 ) .