عبد الشافى محمد عبد اللطيف

52

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وقد نبغ الواقدي في علم المغازي والسير والتاريخ الإسلامي بصفة عامة ، قال عنه البغدادي : " وهو ممن طبق شرق الأرض وغربها ذكره ، ولم يخف على أحد عرف أخبار الناس أثره ، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم ، من المغازي والسير والطبقات ، وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم والأحداث التي كانت في وقته ، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم وكتب الفقه ، واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك " ( 1 ) . وحدث هو عن نفسه فقال : " ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته ، هل سمعت أحدا من أهلك يخبرك عن مشهده وأين قتل ؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه ، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها ، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع فأعاينه " ( 2 ) . وكان الواقدي غزير الإنتاج كثير التأليف حتى عد له ابن النديم ما يقرب من أربعين كتابا معظمها في المغازي والسير والتاريخ - تاريخ الفتوح بصفة خاصة - وقال ابن النديم : " خلف الواقدي بعد وفاته ستمائة قمطر كل فمطر منها حمل رجلين وكان له غلامان مملو كان ، يكتبان الليل والنهار ، وقبل ذلك بيع له كتب بألفي دينا " ( 3 ) . وكانت كتب الواقدي مصدرا أصيلا لكل المؤرخين الذين جاؤوا بعده فما من مؤرخ إلا واقتبس من كتبه ، مثل اقتباسات الطبري من كتاب التاريخ الكبير . ولكن لسوء الحظ ضاعت معظم هذه الثروة العلمية التي خلفها الواقدي ولم يبق من كتبه إلا عدد قليل ، منها كتاب فتوح الشام ، وكتاب المغازي ، وقد ذكر في أوله شيوخه الذين أخذ عنهم علم المغازي فأوصلهم إلى خمسة وعشرين شيخا ، ومعظمهم من أهل المدينة . ومغازي الواقدي أكثر إخبارا عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وهو أميل في أخباره إلى الفقه والحديث من ابن إسحاق ، وهو أحيانا يرجع إلى مادة علمية مكتوبة في صحف رآها واعتمد عليها . فقد قال تلميذه وكاتبه ابن سعد : " قال الواقدي : حدثني عبد الله بن جعفر الزهري قال : وجدت في كتاب أبي بكر بن عبد الرحمن ابن المسور . . . وقال محمد بن عمر - الواقدي - : نسخت كتاب أهل أذرح فإذا فيه . . . إلخ . ويمتاز عمن سبقه بالدقة في تعيين تاريخ الحوادث " ( 4 ) . ومن المآخذ التي

--> ( 1 ) انظر تاريخ بغداد ( 3 / 1 ) . ( 2 ) المصدر السابق ( 3 / 6 ) . ( 3 ) الفهرست لابن النديم ( ص 144 ) . ( 4 ) ضحى الإسلام ( 2 / 336 ) .