عبد الشافى محمد عبد اللطيف

49

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

روى عن عبد الملك بن عمير ، وحميد الطويل ، وعاص الأحول ، ومحمد بن إسحاق ، وروى عنه جماعة من الأعلام ، وأكابر العلماء والمحدثين ، منهم الإمام أحمد بن حنبل ، وأحمد بن عبده الضبي ، وإسماعيل بن توبة ، ويوسف بن حماد ، وعمرو بن زرارة ، وعبد الملك بن هشام السدوسي ، صاحب السرة ، وقد أثنى على البكائي طائفة من العلماء ، وأجمعوا على أن روايته لكتاب المغازي عن ابن إسحاق هي من أصح الروايات . قال يحيى بن آدم عن ابن إدريس : " ما أحد أثبت في ابن إسحاق منه ، لأنه أملي عليه إملاء مرتين " . وقال صالح بن محمد " ليس كتاب المغازي عند أحد أصح منه عند زياد . . وذلك أنه باع داره وخرج يدور مع ابن إسحاق ، حتى سمع منه الكتاب " ( 1 ) . هذا باختصار شديد هو زياد بن عبد الله البكائي ، ويكفي أنه من حبه للعلم - خاصة مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم - قد باع بيته وفرغ نفسه لرواية سيرة النبي ، من رائدها الأول محمد بن إسحاق ، وقد توفي البكائي - رحمه الله تعالى - ( سنة 183 ه‍ ) بعد أن أدى الكتاب إلى من أوصله إلينا ، والذي من حقه علينا كذلك أن تخصه بكلمة تقدير وتحية ، وهو أبو محمد عبد الملك بن هشام : ابن أيوب المعافري البصري المصري ، فقد ولد ابن هشام في مدينة البصرة بالعراق ، وفيها نشأ ودرج ، وتتلمذ على علمائها ونهل من علمهم ، وبعد أن تزود من علم علماء العراق ، وتوج ذلك برواية السيرة عن أستاذه زياد بن عبد الله البكائي الذي أملاها عليه بنفسه ، بعد ذلك رحل إلى مصر ، التي كانت الحركة العلمية فيها آنذاك في أوج ازدهارها ، بجهد علمائها ومن وفد إليهم من علماء الأقطار الأخرى ، وعندما وصل ابن هشام إلى مصر كانت سماؤها قد ازدانت بنجم ثاقت من نجوم العلم والفقه ، وهو عالم قريش - الذي ملأ طباق الأرض علما - محمد بن إدريس الشافعي ، الذي التقى به عبد الملك بن هشام ، وتدارس معه العلم والأشعار ، فقد كان كلاهما شاعرا ، فوق تبحرهما في العلوم الأخرى . وقد قضى ابن هشام في مصر بقية حياته ، وقد أثرى - رحمه الله تعالى - المدرسة المصرية في علوم كثيرة ، مثل النحو واللغة وعلم الأنساب ، ناهيك عن درته الخالدة - سيرة رسول الله صلى عليه وآله وسلم - ذلك الكتاب القيم الذي ظل مخطوطا إلى أن

--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام ( 1 / 29 ) من ترجمة المحقق فضيلة الشيخ المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد لابن هشام .