عبد الشافى محمد عبد اللطيف
410
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الحرية والكرامة الإنسانية ، والشورى الإسلامية أعظم من الديمقراطية الغربية ، ويوم أن كانت الشورى الإسلامية مطبقة ، وعندما كانت تجد من الحكام من يلتزم بها كان العالم الإسلامي هو العالم الأول على ظهر الأرض ، الأول في نظافة الحكم وعدالته ، الأول في العلم والمدنية ، الأول في الثروة ، الأول في التسامح مع الشعوب غير الإسلامية وإشاعة روح الود بين الناس ، يقول الإمام الغزالي رحمه اللّه : « إن طريقة الإسلام في إدارة دفة الحكم هي التي جعلت الشعوب تفتح له ذراعيها ؛ لأن الحكم كان عبادة للّه ، ولم يكن شهوة نهوم إلى العظمة ، أو مفتون بالسلطان ، وإدراك أن الحكم مسؤولية مؤرقة هي التي جعلت الخليفة في المدينة المنورة يعد نفسه مسؤولا عن أطراف الدولة البعيدة » . حتى قال عمر : « لو عثرت بغلة في العراق لحسبت عمر مسؤولا عنها : لم لم يسوّ لها الطريق ؟ » « 1 » . ويوم أن صاح عمر في أميره على مصر - عمرو بن العاص - : « متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ! » في قضية مشهورة ، يوم أن صاح عمر بن الخطاب هذه الصيحة المدوية في الربع الأول من القرن الهجري الأول ، النصف الأول من القرن السابع الميلادي ، كانت هذه الصيحة غريبة على الناس ، فلم يعرف التاريخ حاكما قبل عمر بن الخطاب جرى على لسانه مثل هذه الكلام . ولكنه الإسلام وتربية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لصحابته على الحرية والعزة والكرامة هي التي فاضت على هؤلاء الرجال وجعلت هذه الكلمات المباركات تجري على ألسنتهم ، ولم تكن كلاما فقط للاستهلاك المحلي ، إنما كانت سلوكا وأسلوبا للحكم وسياسة عملية يسوسون بها عباد اللّه . لقد فهم عمر من كتاب ربه ومن سنة نبيه وصحبته أن الناس يولدون أحرارا ، فليس لأحد حق في أن يستعبدهم « 2 » . والعجيب أن الغرب لم يصل إلى ما وصل إليه من الديمقراطية والحرية إلا على تلال من الأشلاء وبحور من الدماء ، أما المسلمون فقد منحهم اللّه تعالى الحرية والكرامة والعزة ومنحهم طرازا عاليا من الحكم النزيه هدية من السماء ، ولكنهم للأسف لم يصونوا هذه الهبات الإلهية ولم يحافظوا عليها ، فالت أحوالهم إلى ما آلت إليه من سوء . كنت أريد أن أتحدث عن المزيد من المشكلات التي يعانيها المسلم في المجتمعات
--> ( 1 ) الإمام محمد الغزالي - نظرة على واقعنا الإسلامي المعاصر - الطبعة الثانية ، دار ثابت القاهرة ( 1983 م ) ( ص 24 ) . ( 2 ) المرجع السابق ( ص 25 ) .