عبد الشافى محمد عبد اللطيف
369
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ولم يمنعهم بعد الشقة ولا كثرة التكاليف عن الوصول إلى غاياتهم ، وقد بدؤوا في تحقيق تلك الغاية ربما في الوقت نفسه التي بلغت فيه الترجمة ذروتها في عهد المأمون ، فأول من أرسل بعثة رسمية إلى المشرق لإحضار الكتب القديمة والحديثة هو الأمير عبد الرحمن الأوسط بن الحكم ( 206 - 238 ه / 822 - 852 م ) وهو كما سبقت الإشارة عاصر المأمون لمدة اثني عشر عاما من حكمه ، وسبق أن ذكرنا أنه أرسل عباس بن ناصح للبحث عن الكتب فجاءه بعدد منها ، كان من بينها كتاب « السند هند » وكان قد ترجم إلى العربية في بغداد . ولما كان هذا البحث قد تجاوز الحيز المقدر له فلن نستطيع تتبع جهود كل أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس في إحضار الكتب من كل الأقطار وفي كل العلوم ، ولذلك سنقصر الحديث تقريبا على أكثرهم حبّا للعلم والعلماء والقراءة ، وهو الحكم المستنصر العظيم ( 350 - 366 ه / 962 - 976 م ) الذي يقول عنه أحد الباحثين : إنه كان بمثابة وزير التعليم في عهد والده الناصر « 1 » . فهو فارس هذا الميدان بدون منازع ، وعنه يقول صاعد الأندلسي « 2 » : « ثم لما مضى صدر من المائة الرابعة انتدب الأمير الحكم المستنصر باللّه بن عبد الرحمن الناصر لدين اللّه ، وذلك في أيام أبيه إلى العناية بالعلوم وإيثار أهلها ، واستجلب من بغداد ومصر وغيرهما من ديار الشرق عيون التواليف الجليلة والمصنفات الغريبة في العلوم القديمة - يقصد العلوم التي سماها المسلمون علوم الأوائل مثل الطب والهندسة والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء وغيرها - والحديثة - ويقصد العلوم العربية والإسلامية مثل الفقه والحديث والتفسير وعلوم اللغة العربية وآدابها . . إلخ - وجمع منها في بقية أيام أبيه ، ثم في مدة ملكه من بعده ما كاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة ، وتهيأ له ذلك لفرط محبته للعلم . وبعد همته في اكتساب الفضائل ، وسمو نفسه إلى التشبه بأهل الحكمة من الملوك ، فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل ، وتعلم مذهبهم » ا . ه . الحق لم نقرأ في التاريخ الإسلامي على امتداده شرقا وغربا أن خليفة أبدى من الاهتمام بجمع الكتب والتعليم بصفة عامة مثل الخليفة الحكم المستنصر ، وهو لم يجمع الكتب ليخزنها وإنما تفيض المصادر بالأخبار المتواترة أنه قرأ كثيرا من
--> ( 1 ) راجع د . محمد عبد الحميد عيسى - تاريخ التعليم في الأندلس ( ص 108 ) . ( 2 ) طبقات الأمم ( ص 87 ) .