عبد الشافى محمد عبد اللطيف
368
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ومعارفهم ، كما يشهد بذلك كل المنصفين من الأوربيين أنفسهم ، ولقد سبق أن اقتبسنا كثيرا من مؤلفاتهم التي ورد ذكرها في هذا البحث ، مما يؤيد ما نقول . لذلك أنشأ الخليفة هارون الرشيد ( 170 - 193 ه / 786 - 808 م ) بيت الحكمة في بغداد ليكون أول مؤسسة علمية أكاديمية تضطلع بهذا الدور في التاريخ ، وهو دور الترجمة ، وكان أول رئيس لهذه المؤسسة العلمية العظيمة هو يوحنا بن ماسويه ، وكان نصراني الديانة سريانيّا ، يقول ابن أبي أصيبعة « 1 » : « قلده الرشيد ترجمة الكتب القديمة ، مما وجده بأنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم ، حين سباها المسلمون ، ووضعه أمينا على الترجمة ، وخدم هارون الرشيد - والأمين والمأمون ، وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل » ا . ه . هل يحتاج هذا الخبر إلى تعليق ولفت الأنظار إلى هذا التسامح الإسلامي من أعظم ملوك الدنيا عندئذ وهم يضعون عالما نصرانيّا على رأس أهم مؤسسة علمية في دولتهم ؟ ! . وإذا كان الرشيد قد أسس بيت الحكمة فقد بلغت ذروة مجدها وعصرها الذهبي في عهد المأمون ، الخليفة العالم ، الذي كان يكافئ المترجمين - فوق رواتبهم الرسمية - بوزن الكتاب المترجم ذهبا خالصا ، مما جعل المترجمين يبذلون أقصى طاقاتهم في نقل كنوز العلم القديم كله إلى اللغة العربية ، وحديثنا عن الترجمة في المشرق المقصود به أن نوضح أن ما قام به العباسيون من ترجمة كان فيه خدمة هائلة للأمويين - بل للإنسانية جمعاء - لأنهم لم يضطروا إلى الترجمة فقد وجدوا كل شيء جاهزا ومعدّا ، ففي نهاية عهد المأمون ( 198 - 218 ه / 813 - 833 م ) كان معظم التراث القديم قد ترجم وأصبح يقرأ في اللغة العربية ، وهذه خدمة جليلة للعلم بصفة عامة وللأمويين بصفة خاصة ، سيما وأن اللغة اليونانية المكتوب بها معظم هذا التراث لم تكن معروفة في الأندلس إلا في أضيق الحدود « 2 » . ولذلك لم تشهد الأندلس حركة ترجمة كالتي حدثت في بغداد ، واكتفوا بهذا وكان فيه الغناء . ولما كان الأمويون في الأندلس - وبصفة خاصة آخر العظماء منهم ، وهو الحكم المستنصر - لا يقلون رغبة عن العباسيين في التعلم والتحضر فقد بذلوا أقصى طاقاتهم في إحضار كل ما كان يؤلف أو يترجم في المشرق ، في أي علم من العلوم ،
--> ( 1 ) عيون الأنباء في طبقات الأطباء ( 2 / 124 ) . ( 2 ) راجع خوليان ريبيرا - التربية الإسلامية في الأندلس ، مرجع سابق ( ص 190 ، 191 ) .