عبد الشافى محمد عبد اللطيف
367
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
كانوا يسيطرون عليها من ثراث تلك الأمم ، وهو التراث الذي أشدنا أكثر من مرة بدور الأمويين في الحفاظ عليه وصيانته وتركه للعباسيين ليقوموا بترجمته إلى اللغة العربية ، غير أن العباسيين لم يقنعوا بما وجدوه على الأرض التي كانوا يسيطرون عليها ، والتي تمتد حدودها من المحيط الأطلسي غربا إلى حدود الصين شرقا ، وإنما دفعهم النهم العلمي والرغبة الصادقة في بناء صرح حضاري يتناسب مع عظمة الدولة العباسية وثرائها إلى البحث عن زخائر الفكر الإنساني التي لم تكن في متناول أيديهم ، وحاولوا الحصول عليها بكل الطرق ، وتعددت وسائلهم في الحصول على المخطوطات في مختلف العلوم الأجنبية فأحيانا عن طريق المعاهدات مع أباطرة الدولة البيزنطية ، التي كانوا يشترطون فيها تسليمهم كميات من المخطوطات اليونانية « 1 » أو عن طريق الهدايا . ويقول صاعد الأندلسي في هذا الصدد « 2 » : « ثم لما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم عبد اللّه المأمون . . . فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخرجه من معادنه بفضل همته الشريفة ، وقوة نفسه الفاضلة ، فراسل ملوك الروم ، وأتحفهم بالهدايا الخطيرة ، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة ، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون ، وأرسطوطاليس ، وأبقراط ، وجالينوس ، وأوقليدس ، وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة ، فاستجاد لها مهرة التراجمة ، وكلفهم إحكام ترجمتها ، فترجمت له على غاية ما أمكن ، ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها ، فنفقت سوق العلم في زمانه وقامت دولة الحكمة في عصره » ا . ه . وأحيانا عن طريق البعثات العلمية التي كانوا يرسلونها إلى أراضي تلك الدولة للحصول على المخطوطات ، عن طريق الشراء ، وكتاب الفهرست لابن النديم زاخر بأخبار تلك البعثات . والكتب التي كانوا يعودون محملين بها . لقد حصل العباسيون على عدد هائل من المخطوطات ، ولم يحصلوا عليه ليحبس في خزائن الكتب ، وإنما ليترجم إلى اللغة العربية ، ويبعث من جديد ، ينقح ويصحح ويضاف إليه جديد من قرائح العلماء وعبقرياتهم ، وقدموه للعالم وبصفة خاصة إلى أوروبا ، التي قامت نهضتها في مطلع العصر الحديث على أساس علوم العرب
--> ( 1 ) راجع سيجريد هونكه - شمس العرب تسطع على الغرب ، مرجع سابق ( ص 175 ) . ( 2 ) طبقات الأمم ( ص 64 ) .