عبد الشافى محمد عبد اللطيف
360
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وصل الأمر إلى سمع الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ( 238 - 273 ه / 852 - 886 م ) طلب حضور « بقي » ومعه الكتاب ، وطلب حضور معارضيه من فقهاء المالكية ، وأمر بقيّا أن يتصفح الكتاب جزآ جزآ إلى أن أتى على آخره ، وقد ظن علماء المالكية أن الأمير قد وافقهم على إنكارهم على صاحب الكتاب وأنه سيأمر بمصادرته أو منعه من القراءة والتداول ، ولكنهم فوجئوا بالأمير يقول لخازن الكتب : « هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه ، فانظر في نسخه لنا ثم قال لبقي بن مخلد : انشر علمك وارو ما عندك من الحديث ، واجلس للناس حتى ينتفعوا بك . . . ونهاهم أن يتعرضوا له » « 1 » ا . ه . بعض أولئك الذاهبين إلى المشرق للحج وطلب العلم لم يعودوا إلى الأندلس مزودين بالعلم في صدورهم فقط ، بل كانوا يعودون بأعداد من الكتب ، جمعوها في سنين عددا ، وإليك أنموذجا من هؤلاء ذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة وهو « سلمة بن سعيد بن سلمة الأنصاري » رحل إلى المشرق وحج وأقام بالمشرق ثلاثا وعشرين سنة وأدب في بعض أحياء العرب ولقي أبا بكر محمد بن الحسين الآجري ، وسمع منه بعض مصنفاته ، وأجاز له أيضا حمزة بن محمد الكناني ، والحسن بن رشيق ، وابن مسرور الدباغ ، والحسن بن شعبان وغيرهم ، ولقي أيضا أبا الحسن الدارقطني وأخذ عنه وأبا محمد بن أبي زيد الفقيه ، وكان رجلا فاضلا ثقة فيما رواه ، راوية للعلم ، حدث وسمع الناس منه كثيرا ، ذكره الخولاني وقال : كان حافظا للحديث ، يملي من صدره ، يشبه المتقدمين من المحدثين ، وكانت روايته واسعة وعنايته ظاهرة ، ثقة فيما نقل وضبط ، . . . ثم يصل ابن بشكوال إلى ما نريد التنويه به ، وهو أن سلمة حمل معه من المشرق ثمانية عشر حملا مشدودة من الكتب ، ثم يقول : وسافر من اتجه إلى المشرق ، واتخذ مصر موئلا واضطرب - أي : تجول - في المشرق سنين كثيرة جدّا يجمع في الآفاق كتب العلم ، فكلما اجتمع من ذلك مقدار صالح نهض به إلى مصر ، ثم انزعج - أي : رجع - بالجميع إلى الأندلس ، وكانت في كل فن من العلم ، ولم يتم له ذلك إلا بمال كثير حمله
--> ( 1 ) المصدر السابق ( ص 15 ) ، وهناك مناسبات كثيرة تدخل فيها أمراء بني أمية للحد من تسلط فقهاء المالكية ومعارضتهم لكل رأي مخالف لأرائهم ، راجع في ذلك د . محمد عبد الحميد عيسى - تاريخ التعليم في الأندلس ، طبع دار الفكر ، القاهرة ( 1982 م ) ، ( ص 98 ) وما بعدها .