عبد الشافى محمد عبد اللطيف
361
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
إلى المشرق ، هذا نموذج تكرر كثيرا « 1 » . وإلى جانب هذه الأعداد الكبيرة التي لا يكاد سيلها ينقطع ترحالا إلى المشرق ، كان الأمراء أيضا يبعثون بعض رجالهم في مهمات علمية خاصة ، كالذي ذكره ابن سعيد عن إرسال الأمير عبد الرحمن الأوسط - ابن الحكم ( 206 - 238 ه / 822 - 852 م ) - عباس بن ناصح إلى العراق في التماس الكتب القديمة فأتاه بالسند هند - وهو من أقدم الكتب التي ترجمت من الهندية إلى العربية ، ومنه تعلم العرب الحساب والأعداد الهندية المعروفة - وغيره ، وهو أول من أدخلها إلى الأندلس وعرف أهلها بها ، ونظر هو فيها « 2 » . ثانيا : من الطرق التي سلكها الأمويون في الأندلس للنهوض بدولتهم وبناء حضارة مزدهرة فيها ، استقدام علماء من المشرق من المبرزين لنشر علمهم في الأندلس ، وهؤلاء أيضا أعدادهم كبيرة ، حفلت بها المصادر الأندلسية مثل كتاب تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي الذي كان ينص على من وفد من المشرق إلى الأندلس ، فعقب أن يترجم لعلماء الأندلس في آخر كل حرف يقول : ومن الغرباء في هذا الباب : فلان وفلان ، ويعد من وفد من المشرق إلى الأندلس والمشرق عنده متسع جدّا ، فهو يشمل علماء القيروان وصقلية . . إلخ وإذا رجعنا إلى نفح الطيب للمقري نجد أعدادا هائلة من علماء المشرق الذين رحلوا إلى الأندلس واستوطنوها ونشروا علمهم فيها ، ولا شك أن سمعة أمراء بني أمية الطيبة في الأندلس وحبهم للعلم واحترامهم الكبير للعلماء وسخائهم معهم لا شك أن كل ذلك جذب كثيرين من علماء المشرق - وبصفة خاصة من العراق - إلى الأندلس ؛ لأنهم أدركوا أن أمراء بني أمية في الأندلس من شدة تنافسهم مع العباسيين في المشرق في مضمار الحضارة والعلوم يبذلون كل ما في وسعهم لإكرام العلماء ، فكان من الطبيعي أن يشد هؤلاء رحالهم إلى الأندلس ؛ لأن السلطان كما يقال في المثل : « سوق يذهب إليه ما يروج فيه » . والحق أن إكرام أمراء بني أمية وخلفائهم للعلماء كان شيئا نادرا عز مثاله في غير
--> ( 1 ) راجع ابن بشكوال - كتاب الصلة ، ( رقم 513 ) ( ص 224 ، 225 ) . ( 2 ) راجع ابن سعيد - المغرب في حلى المغرب ، تحقيق د . شوقي ضيف دار المعارف القاهرة سنة ( 1978 م ) ، ( 1 / 45 ) ، وراجع ترجمة عباس بن ناصح كاملة في نفس المصدر تحت ( رقم 22 ) ( ص 324 ) ، وفي ابن الفرضي ، تاريخ علماء الأندلس ( برقم 881 ) ( ص 296 ، 297 ) .