عبد الشافى محمد عبد اللطيف
350
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
قضى القاضي طبقا للحق والعدل لا طبقا لرغبة الأمير ، ولم يتعرض لأي أذى « 1 » . ولقد اختلف القضاء الأندلسي في تنظيمه عن القضاء في المشرق الإسلامي ، ففي الشرق استحدث العباسيون في عهد هارون الرشيد ( 170 - 193 ه / 786 - 808 م ) منصب قاضي القضاة ، الذي أصبح له حق اختيار قضاة الولايات والإشراف عليهم . أما الأندلس فلم تعرف هذا المنصب بهذا المعنى ، وإنما عرفت ما سمي بقاضي الجماعة أو قاضي الحضرة ، والمقصود به قاضي العاصمة قرطبة وحدها ، ولم يكن له حق تعيين القضاة في الأقاليم الآخرى أو الإشراف عليهم ، وكان هؤلاء يعينهم الأمير أو الخليفة ، وهم مستقلون في عملهم تماما مثل قاضي الجماعة ، ومن الخطط التي اهتم بها الأمويون خطة الحسبة لمراقبة الأسواق والمرافق العامة ، كما اهتموا بالشرطة لضبط الأمن في بلد متعدد الأعراق والأهواء . ولقد استحدث الأمويون خطة سموها خطة الشورى وكانوا يسندونها إلى كبار العلماء من ذوي الشرف والهيبة « 2 » . وهكذا أصبح للنظام السياسي والإدارة في الأندلس طابع مميز ، في الوقت الذي لم يتوقف فيه عن التأثر بما يحدث في المشرق ، فقد أدخل الأمير عبد الرحمن الأوسط ( 206 - 238 ه / 822 - 852 م ) كثيرا من نظم العباسيين وطقوسهم وبصفة خاصة في قصر الحكم « 3 » وأبهة البلاط . وباختصار يمكن القول : إن الأندلس في العصر الأموي قد تمتعت في أغلب الأوقات بإدارة حسنة وشرطة فعالة ونظام قضائي محكم . ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن السياسة والإدارة الأموية في الأندلس أن ننوه بسياسة التسامح التي اتبعوها مع أهل الذمة من النصارى واليهود فقد كفلوا لهم الحرية الدينية والاجتماعية ، وأنشؤوا منصبا خاصّا لإدارة شؤون أهل الذمة عرف صاحبه بالقومس ، كما كان للنصارى المعاهدين قاض خاص ، كما عين لهم مطران خاص ، كان مركزه مدينة إشبيلية ، وقد استمر هذا التسامح مع النصارى المعاهدين على الرغم مما كانوا يدبرونه في بعض الأحيان ضد الحكومة المسلمة من الدسائس
--> ( 1 ) انظر الخشني - قضاة قرطبة ، مصدر سابق ( ص 23 ، 24 ) . ( 2 ) راجع محمد عبد اللّه عنان - دولة الإسلام في الأندلس ، مرجع سابق ( 2 / 685 ) . ( 3 ) راجع ليفي بروفنسال - الحضارة العربية في أسبانيا ، ( ص 61 ، 62 ) .