عبد الشافى محمد عبد اللطيف
349
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وأصبح الحاجب هو الرجل الثاني في الدولة بعد الأمير أو الخليفة ، فهو بمثابة رئيس الوزراء . ولأهمية المنصب فقد كان الأمويون يختارون له أبناء البيوتات من ذوي الشرف ، وظهرت أسماء كثيرة تنتمي إلى أسر مثل أسرة شهيرة بني مغيث وبني أبي عبدة وبني شهيد والمصحفي . . . إلخ . والوزارة أيضا اختلف مضمونها ومؤداها عن سميتها في المشرق ، حيث لم يكن سوى وزير واحد ، يتلقى أوامره من الخليفة وينفذها ، إذا كانت شخصية الخليفة قوية وكان يسمى وزير تنفيذ ، وإذا كانت شخصية خليفة ضعيفة كان الوزير يستبد بمعظم الأمور ، فهو الذي ينفذ وعندئذ كان يسمى وزير تفويض « 1 » . أما في الأندلس فقد تعددت الوزارات - وكانت تسمى خطط - وأصبح لكل ناحية من نواحي الإدارة العامة وزير مختص ، مثل وزارة المالية والترسيل والمظالم والثغور « 2 » . . . إلخ . ولقد اهتم الأمويون اهتماما كبيرا بالقضاء ، وكانوا يختارون له - بعد مشاورة كبار العلماء والوزراء - أصلح الناس من المشهورين بالنزاهة وتحري العدل ، وكان القضاء مستقلّا ولم يكن القضاة يسمحون لأحد من الأمراء أو الخلفاء أن يتدخل في عملهم ، وكانوا يحكمون طبقا لمبادئ الحق والعدل كما تقضي بذلك الشريعة الإسلامية حتى لو كان ذلك ضد رغبة صاحب السلطان ، بل كان القضاة أحيانا يتعرضون بالنقد اللاذع للخلفاء في بعض التصرفات التي لا يرضون عنها ، مع أنها كانت تخرج عن دائرة عملهم ، كما حدث من القاضي منذر بن سعيد البلوطي ، فقد انتقد الخليفة عبد الرحمن الناصر علنا في خطبة الجمعة - والخليفة يسمع - على إسرافه في النفقات التي أنفقها في بناء مدينة الزهراء بالقرب من العاصمة قرطبة ، ومع أن الخليفة الناصر - وهو من هو - قد غضب غضبا شديدا من القاضي إلا إنه لم يتخذ ضده أي إجراء عقابي ، وكل ما فعله أنه امتنع عن أن يصلي خلفه . وقبل ذلك وفي بداية الدولة قضى القاضي عبد الرحمن بن طريف اليحصبي ضد رغبة وإرادة عبد الرحمن الداخل في قضية كانت موضع اهتمام الأمير ، ومع ذلك
--> ( 1 ) الماوردي - الأحكام السلطانية ، طبع الحلبي الطبعة الثالثة ، القاهرة ( 1393 ه - 1973 م ) ، ( ص 24 ، 25 ) . ( 2 ) راجع مقدمة ابن خالدون ، تحقيق علي عبد الواحد وافي دار نهضة مصر للطباعة والنشر القاهرة ، الطبعة الثالثة ، ( 2 / 670 ) .