عبد الشافى محمد عبد اللطيف

34

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

فقد أسس الفاتح عمرو بن العاص مدينة الفسطاط ( سنة 21 ه ) أي : عند تمام الفتح ، أسس مسجده العتيق - أو تاج الجوامع - الذي يعتبر أول مسجد يؤسس في قارة أفريقيا والذي أصبح مركزا للدراسات الإسلامية ، ومدرسة من أشهر المدارس ، أساتذتها هم صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سواء الذين جاؤوا مع جيش الفتح مجاهدين ، أو الذين لحقوا بهم وجاؤوا بعد تمام الفتح وطاب لهم المقام في أرض الكنانة ، وعلى ضفاف النيل واستقروا فيها ، وقد ازدهرت المدرسة المصرية في الدراسات الإسلامية ، وذاع صيتها ، وأصبحت لها مكانة علمية رفيعة ، فتاقت نفوس علماء الأقطار الآخرى إلى زيارتها وملاقاة علمائها والأخذ عنهم وإعطائهم أيضا ، فالعلم أخذ وعطاء ، فما من عالم كبير في المشرق - في ذلك الوقت - سواء في مكة المكرمة ، أو المدينة المنورة ، أو الكوفة ، أو البصرة ، أو دمشق ، أو بغداد ، إلا وتراه قد زار مصر ، وتعرف على علمائها وأخذ عنهم وأعطاهم . وكان من الطبيعي أن يتطلع طالب علم نابه مثل ابن إسحاق إلى زيارة بلد مثل مصر ، فشد رحاله إليها ، وهو في شرخ شبابه وفي مرحلة القوة والفتوة والقدرة على السفر ، والشد والترحال ، وحدة الذهن والقدرة على الحفظ والاستيعاب ، فقد بدأ زيارته لمصر ( عام 115 ه ) ، أي : عندما كان في حوالي الثلاثين من عمره ، وقد تجول في أقاليم مصر ، وزار مدينة الإسكندية ، التي كانت عاصمة مصر منذ أسسها الإسكندر الأكبر المقدوني ، في الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد إلى الفتح الإسلامي في منتصف القرن السابع الميلادي ، أي : أنها ظلت عاصمة مصر قرابة ألف عام ، وكانت بها مدرسة علمية لها شهرة عالمية ، في علوم الطب والفلك والهندسة والرياضيات والكيمياء والفلسفة . فكان من الطبيعي أن يزور ابن إسحاق الإسكندرية ما دام قد حل بأرض مصر . وقد التقى بكثيرين من علماء مصر ، وفي مقدمتهم عالمها الأكبر ، يزيد بن أبي حبيب ، وروى عنه كثيرا ، وقد أشرنا فيما سبق - ونحن نتحدث عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري شيخ ابن إسحاق - إلى الوثيقة التي رواها ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب ، ثم عرضها على شيخه الزهري ، ليتأكد من صحة المعلومات التي جاءت بها ثم التقى بعبد اللّه بن جعفر ، والقاسم بن قزمان ، وعبيد اللّه بن المغيرة وغيرهم ، وبعد أن تزود من علم علماء مصر ، وتأثر بهم وأثر فيهم ، واطلع على اتجاهات المدرسة المصرية في الدراسات الإسلامية ، عاد إلى المدينة ليواصل