عبد الشافى محمد عبد اللطيف

35

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

دراسته على أيدي أساتذته فيها . ولم يغادرها بصفة نهائية - على ما يرجح - إلا في رحلته الأخيرة إلى العراق بعد قيام الدولة العباسية ( سنة 132 ه ) ، حيث عاش بقية حياته فيها . * رحلته إلى العراق : عاش ابن إسحاق في المدينة المنورة بصفة مستمرة حوالي نصف قرن ، ولم يغادرها إلا للحج إلى مكة المكرمة ، وزيارته لمصر سنة ( 115 ه ) - والتي يبدو أنها لم تطل - ويبدو أن من الأسباب التي جعلت ابن إسحاق يلزم المدينة المنورة ولم يغادرها كثيرا أن صلته لم تكن ودية مع دولة بني أمية ، فلم نسمع أنه قام بزيارة لعاصمتهم دمشق ، وذلك عكس أستاذه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، الذي كان على علاقة وطيدة مع خلفاء بني أمية ومنحوه ثقتهم ، خاصة أصلحهم وأعلمهم عمر بن عبد العزيز ، وقد رأينا فيما سبق ثناء عمر بن عبد العزيز على الزهري . أما تلميذه ابن إسحاق فلم نسمع منه أنه اتصل بأحد من خلفاء بني أمية ، ولعل موقف ابن إسحاق هذا من الدولة الأموية كان منسجما مع موقف عامة أهل المدينة الذين كانوا لا يحملون ودّا لبني أمية ، ولم تنطو قلوبهم على حب لدولتهم وخلفائها ورجالها - باستثناء عمر بن عبد العزيز - الذي كان موضع حب وإعجاب وثقة جميع المسلمين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم لسلوكه القويم وصلاحه وتقواه وعدله وطهارة سيرته ، أما بقية خلفاء بني أمية فلم يحظوا بحب أهل المدينة ولا رضاهم ، أو قل : إن موقف أهل المدينة من خلفاء بني أمية كان أقرب إلى العداء والبغضاء منه إلى الولاء والحب والود . ولعل أهل المدينة لم ينسوا قط يوم الحرة أو موقعة الحرة التي جرت بينهم وبين جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية ( سنة 63 ه ) على إثر ثورتهم ضده التي قادها عبد اللّه بن حنظلة ، والتي انتهت بهزيمتهم وقتل الكثيرين منهم . ونسب للجيش الأموي أعمال فظيعة إذا صحت تكون كارثة ؛ لأنها تخالف مبادئ الإسلام وآداب الحرب فيه حتى مع غير المسلمين فكيف مع مسلمين يعيشون في جوار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، على أية حال لم ينس أهل المدينة ذلك اليوم ولم تصف نفوسهم لبني أمية ، وظلت ذكرى ذلك اليوم الحزين عالقة في نفوسهم ، وكان ابن إسحاق واحدا منهم ، شاركهم في مشاعرهم تلك وليس هذا غريبا .