عبد الشافى محمد عبد اللطيف
33
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته وتابعيهم ؟ ! ولم تكن البيئة والجو العام الذي أحاط بابن إسحاق هو الذي أثر فيه فقط ، بل كانت بيئته الخاصة ذات تأثير فيه كذلك ، فأبوه إسحاق بن يسار كان من العلماء وكان محدثا وفقيها ، روى عنه ابنه محمد ، وكثيرا ما نجده يقول : حدثني أبي إسحاق بن يسار . وقد أدرك ابن إسحاق بعض الصحابة ممن طالت أعمارهم ، فقد رأى أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخادمه المشهور . وتتلمذ على كبار التابعين من أعيان علماء المدينة المنورة وفقهائها المعدودين المشهورين ، ومنهم القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق ، وأبان بن عثمان بن عفان - وهو من رجال الطيقة الأولى من علماء المغازي والسير ، كما سبق القول عنه - ومنهم محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وناف مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري . وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ، وغيرهم . وقد سبق القول أن أستاذة الأكبر ، والذي كان أثره فيه أكبر وأوضح من غيره ، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . * رحلته إلى مصر : لم يكتف ابن إسحاق بأنه ولد ونشأ في مدينة الرسول ، وتنفس هواءها المعطر بأريج النبوة ، وعطر الصحابة الكرام ، بل أراد أن يتزود من علم الصحابة الآخرين ، الذين تفرقوا في الآفاق ونزلوا وسكنوا الأمصار المفتوحة ، فمن المعلوم أن جميعا كبيرا من حملة العلم النبوي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد شاركوا في الفتوحات الإسلامية ، بدءا من الخليفة الأول أبي بكر الصديق رحمه الله ومرورا بعهود الخلفاء الراشدين الثلاثة الآخرين : عمر بن الخطاب ( 13 - 23 ه ) وعثمان بن عفان ( 23 - 35 ه ) وعلي بن أبي طالب ( 35 - 40 ه ) رضي الله عنهم جميعا ، وكثير من هؤلاء الصحابة لم يعودوا إلى المدينة ، وإنما استوطنوا البلاد المفتوحة ، وعاشوا حياتهم كلها فيها ، وأصبحوا معلمين ولهم مدارس وتلاميذ ، فأرادابن إسحاق أن يتزود من علم هؤلاء ومن علم تلاميذهم ، وأن يطلع على اتجا مدارسهم وأفكارها فكانت رحلته الأولى إلى مصر ، التي أصبحت منذ أن تم فتحها على يد الفاتح الكبير البطل الجليل عمرو بن العاص ( سنة 21 ه ) . مركزا من مراكز العلوم الإسلامية ،