عبد الشافى محمد عبد اللطيف

313

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الخليفة رئيس الدولة . وقد درج الخلفاء على هذا التقليد وحافظوا عليه ، بل من الطريف أن زوجات الخلفاء كن يبعثن الهدايا إلى زوجات الأباطرة ، فقد روى الطبري « 1 » أن عمر بن الخطاب أرسل وفدا إلى القسطنطينية ، إلى الإمبراطور هرقل ، في أمر يخص العلاقات بين الدولتين ، فبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب التي كانت زوجا لعمر إلى زوجة الإمبراطور بعض الهدايا منها الطيب ، وأشياء تخص النساء ، سماها الطبري « أخفاش من أخفاش النساء » دسته إلى الوفد وأمرت بتسليمه إليها ، فلما وصلت هدايا أم كلثوم إلى زوجة الإمبراطور فرحت بها ، وجمعت زوجات كبار رجال الدولة ، وأعطتهن منها وقالت لهن : أشرن علي في هدية جاءتني من بنت نبي العرب وزوجة أميرهم ، فأشرن عليها أن تكون هديتها إلى أم كلثوم غالية وثمينة ، فبعثت إليها بهدايا كثيرة ، وكان فيها عقد فاخر ، من الأحجار الكريمة ، فلما عاد الوفد الإسلامي إلى عمر بن الخطاب ، ورأى العقد سأل عنه ، فأخبروه الخبر ، فدعا الناس إلى صلاة جامعة في مسجد الرسول ، وخاطبهم قائلا : « لا خير في أمر أبرم عن غير شورى من أموري ، قولوا في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم ، فأهدت لها امرأة ملك الروم . فقال قائلون : هو لها بالذي لها - يعني هدية بهدية - وليست امرأة الملك بذمة لك فتصانع ، ولا تحت يدك فتتقيك ، فقال : لكن الرسول رسول المسلمين ، والبريد بريدهم . . . فأمر برده - العقد - إلى بيت المال ، ورد عليها - أم كلثوم - بقدر نفقتها » « 2 » أي : إن عمر رأى أن الخيول التي حملت الهدايا ملك للدولة ، والرجال الذين أوصلوها موظفين في الدولة ، ولا ينبغي أن تستخدمهم زوجته في أغراض شخصية ، ولذلك صادر العقد ، ووضعه في بيت المال ، وعوضها عن قيمة هداياها ، التي كانت بسيطة يسيرة ، ودلالة هذه القصة على نزاهة الخليفة وأهل بيته عن المال العام جلية ظاهرة ، وهي أيضا دلالة على أن الإسلام يحبذ العلاقات الودية بين المسلمين وجيرانهم ، ولا يمانع في تبادل الهدايا معهم . ومن الجدير بالذكر في هذه القصة أن الخليفة العظيم عمر بن الخطاب لم يتعرض إلى ما قامت به زوجته من الاتصال بزوجة الإمبراطور ، وتبادل الهدايا معها - ولم

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 4 / 260 ) ، وكانت هناك مراسلات عديدة بين عمر بن الخطاب والإمبراطور هرقل راجعها في المصدر نفسه . ( 2 ) تاريخ الطبري ( 4 / 260 ) .