عبد الشافى محمد عبد اللطيف

314

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

يعترض عليه - وإنما كانت تصرفه برد الهدايا الثمينة إلى بيت المال ، لفرط حساسيته نحو المال العام . إن سجل العلاقات بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية حافل بأخبار تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة ، فلم يكن وفد يحضر من إحدى عاصمتي الدولتين إلى الآخري دون أن يحمل معه الهدايا والطرف التي تليق بشخص الخليفة إن كانت قادمة من القسطنطينية ، وبشخص الإمبراطور إن كانت آتية من عاصمة الخلافة ، وكان من التقاليد المتبعة أن الوفد عندما يصل إلى الحدود يستقبل استقبالا لائقا من قبل وفد من البلد المضيف ، ويكرمهم وبصحبهم إلى مقابلة الخليفة أو الإمبراطور إن كان ذلك ضروريّا ، وقبل ذلك يلقنهم الآداب والتقاليد التي يجب أن تراعى عند مقابلة رئيس الدولة « 1 » . وليس بالوسع في هذا البحث استقصاء كل الأخبار المتعلقة بتبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة ، ولذلك نقتصر على ذكر نماذج منها تكفي للدلالة على حسن العلاقات بين الدولتين ، وجنوحهما إلى السلام وحسن الجوار ، على الرغم مما بينهما من خلافات . من تلك النماذج ما حدث بين الخليفة العباسي هارون الرشيد ، ومعاصره الإمبراطور البيزنطي نقفور ، اللذين بدأت علاقاتهما بداية سيئة وتبادلا الرسائل ذات اللهجة الشديدة ، بل وصل الأمر إلى حد الاشتباك المسلح - على الحدود - كما سبقت الإشارة - لكنهما سرعان ما جنحا إلى السلم ، ودخلت علاقاتهما في دور سلمي ، وتبادلا الرسائل الودية ذات اللهجة الهادئة ، كما تبادلا الهدايا ، وأخذت الوفود تترى بينهما وكانت وفودا على مستوى عال ، وكان من تلك الوفود وقد أتى من قبل الإمبراطور إلى الرشيد يحمل رسالة وبعض الطلبات الشخصية وقد لباها الرشيد كلها . يقول الطبري : « وكتب نقفور مع بطريقين من عظاماء بطارقته في جارية من سبي هرقلة « 2 » كتابا ، نسخته لعبد اللّه هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم ، سلام عليكم ، أما بعد : أيها الملك إن لي إليك حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك ، هينة يسيرة ؛ أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة ، كنت قد

--> ( 1 ) د . إبراهيم العدوي - الأمويون والبيزنطيون ( ص 285 ) . طبع القاهرة ( 1963 م ) . ( 2 ) كانت هذه الجارية قد وقعت أسيرة في أيدي المسلمين عندما غزا الرشيد هرقلة وكانت مخطوبة لابن الإمبراطور .