عبد الشافى محمد عبد اللطيف
305
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
أكثر من معنى . والواقع أن العلاقات استمرت بدون مشكلات كبيرة ولا اشتباكات خطيرة على الحدود إلى نهاية العصر الأموي ( 132 - 750 ه ) . فلما قامت الدولة العباسية تجددت الاشتباكات الحدودية ، والذي بدأ هم البيزنطيون ؛ ظنّا منهم أن الدولة العباسية غير قادرة على حماية الحدود الإسلامية لانشغالها بالتمكين لنفسها ، ولكن ظنهم لم يكن في محله ؛ فسرعان ما وجدوا الجيوش الإسلامية لهم بالمرصاد ، مما جعلهم يجنحون إلى السلام من جديد ، ومرة أخرى أقام المسلمون الدليل على رغبتهم في السلام ، مع أنهم كانوا الأقوى في ذلك الوقت ، وأول معاهدة سلام بين الدولتين في العصر العباسي تحدثنا عنها المصادر تلك التي عقدها معهم هارون ابن الخليفة المهدي في عهد أبيه ( 158 - 169 ه / 774 - 785 م ) مع الإمبراطورة إيريني ، والتي يقول عنها الطبري : « فجرت بينها وبين هارون بن المهدي الرسل والسفراء ، في طلب الصلح والموادعة وإعطائه الفدية ، فقبل ذلك منها هارون ، وشرط عليها الوفاء بما أعطت وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه ، فأجابته إلى ما سأل . . . ووجهت معه رسولا إلى المهدي ، بما بذلت . . . . وكتبوا الهدنة إلى ثلاث سنوات وسلمت الأسارى » « 1 » . ولما تولى هارون الخلافة بعد أخيه الهادي ، وتلقب بالرشيد ( 170 - 193 ه / 787 - 809 م ) نقض إمبراطور الروم نقفور المعاهدة التي وقعتها سلفه ، بل هدد الرشيد بالحرب إن لم يعد له الجزية التي أخذها منها ، مما جعل الرشيد يغزوه بنفسه ، ليثبت حالة السلم على الحدود ، وهنا أدرك الإمبراطور خطأه ، واعتذر وتعهد بدفع أكثر مما كانت الإمبراطورة إيريني ، فعادت حالة السلام بين الدولتين وتقرر الصلح كما ذكر الطبري « 2 » . والذي يستخلص من كل ذلك أن الدولة الإسلامية لم يكن من خططها غزو أراضي الدولة البيزنطية والاستيلاء عليها ، بل كان هدفها المحافظة على حدودها ، ومنع تغيير تلك الحدود لمصلحة البيزنطيين ، ولو كان المسلمون يبغون الغزو لكان ذلك ممكنا على الأقل في عهد الرشيد ؛ لأنهم كانوا الأقوى ، وفي عهد الخليفة المأمون ( 198 - 218 ه / 813 - 833 م ) توترت العلاقات إلى حد ما بين
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 6 / 152 ، 153 ) . ( 2 ) المصدر السابق ( 8 / 321 ) .