عبد الشافى محمد عبد اللطيف
306
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الدولتين ، إلا أنهما سرعان ما عادتا إلى التفاوض وإجراء الصلح وحل المشكلات بالحوار والتفاهم . وتبودلت الوفود والرسائل بين المأمون ومعاصره الإمبراطور تيوفيلوس ، وكان الأخير هو الذي بدأ برسالة إلى المأمون بطلب عقد مصالحة ، إلا أنه خلط فيها بين اللين والشدة والود والتهديد ، وهو أسلوب مألوف في المناورات السياسية بين الدول ، قال تيوفيلوس في رسالته إلى المأمون : . . . أما بعد فإن اجتماع المختلفين على حظهما أولى بهما في الرأي مما عاد عليهما بالضرر ، ولست حريّا أن تدع لحظ يصل إلى غيرك حظّا تحوزه إلى نفسك ، وفي علمك كاف عن أخبارك ، وقد كنت كتبت إليك داعيا إلى المسألة ، راغبا في فضيلة المهادنة ، لتضع أوزار الحرب عنا ، ونكون كل واحد منا لكل واحد وليّا وحزبا مع اتصال المرافق ، والفسح في المتاجرة ، وفك المستأسر ، وأمن الطرق والبيضة ، فإن أبيت فلا أدب لك في الخمر « 1 » ، ولا أزخرف لك في القول ، فإني لخائض إليك غمارها ، وآخذ عليك أسدادها ، شانّ عليك خيلها ورجالها ، وإن أفعل فبعد أن قدمت المعذرة ، وأقمت بيني وبينك علم الحجة . والسلام « 2 » . هذا هو نص رسالة الإمبراطور البيزنطي إلى الخليفة المأمون الذي رد عليها بقوله بعد المقدمة : « أما بعد ، فقد وصلني كتابك فيما سألت من الهدنة ، ودعوت إليه من الموادعة ، وخلطت فيه من اللين والشدة ، مما استعطفت به من شرح المتاجر واتصال المرافق ، وفك الأسارى ، ورفع القتل والقتال ، فلو لا ما رجعت إليه من أعمال التؤدة ، والأخذ بالحظ في تقليب الفكرة ، وإلا أعتقد الرأي في مستقبله إلا في استصلاح ما أوثره في معتقبه ، لجعلت كتاب جوابك خيلا تحمل رجالا من أهل البأس والنجدة والبصيرة ، ينازعونكم عن ثكلكم ، ويتقربون إلى اللّه بدمائكم ، ويستقلون في ذات اللّه ما نالهم من ألم شوكتكم ، ثم أوصل إليهم من الأمداد ، وأبلغ لهم كافيا من العدة والعتاد ، هم أظمأ إلى موارد المنايا منكم إلى السلامة ، من مخوف معرتهم عليكم ، موعدهم إحدى الحسنيين ، عاجل غلبة أو كريم منقلب ، غير أني رأيت أن أتقدم إليك بالموعظة ، التي يثبت اللّه بها عليك الحجة من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية ، والشريعة الحنيفية ، فإن أبيت ففدية توجب ذمة وتثبت نظرة ، وإن تركت ذلك ففي يقين المعاينة لنعوتنا ما يغني عن الإبلاغ في القول ، والإغراق في الصفة ، والسلام على
--> ( 1 ) يقصد بقوله : « فلا أدب لك في الخمر » : لا أبالغ في التزلف إليك والتقرب منك . ( 2 ) تاريخ الطبري ( 8 / 629 ) .