عبد الشافى محمد عبد اللطيف
304
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
عمر ، علم بذلك الإمبراطور ليون وأرسل إليه أحد أطباء القصر الإمبراطوري ليعالجه ، ومما يدل على حسن العلاقات أن ذلك الطبيب كان قسيسا ، أي من رجال الدين المسيحي ، وقد وصل الطبيب القسيس فعلا إلى دمشق « 1 » . ويبدو أن العلاقات الودية بين عمر بن عبد العزيز والإمبراطور ليون قد شجعت الخليفة التقي الصالح على دعوة الإمبراطور إلى الإسلام حيث أرسل إليه وفدا يحمل رسالة بهذا الغرض . وبطبيعة الحال لم يقبل الإمبراطور دعوة الخليفة ونصيحته ، ولكنها لم تؤثر سلبيّا على علاقاتهما ، فقد استمرت ودية ، على خير ما يرام ، وظل الإمبراطور على إعجابه بالخليفة المسلم واحترامه إلى وفاته ، فقد روى المسعودي ، أن عمر بن عبد العزيز بعث وفدا إلى ملك الروم ، في أمر من مصالح المسلمين وحق يدعوه إليه . . . فتلقاهم بجميل ، وأجابهم بأحسن الجواب ، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم ، فلما كان في غداة غد غزاة أتاهم رسوله ، فدخلوا عليه ، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضح التاج عن رأسه ، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها ، كأنه في مصيبة ، فقال : « هل تدرون لم دعوتكم ؟ قالوا : لا ، قال : إن صاحب مسلحتي التي تلي العرب جاء في كتابه في هذا الوقت إن ملك العرب ، الرجل الصالح قد مات ، فما ملكوا أنفسهم أن بكوا ، فقال : لا تبكوا له ، وابكوا لأنفسكم ما بدا لكم ، فإنه خرج إلى خير مما خلف ، قد كان يخاف أن يدع طاعة اللّه في الدنيا ، فلم يكن اللّه ليجمع عليه مخافة الدنيا ومخافة الآخرة ، ولقد بلغني من بره وفضله وصدقه ، ما لو كان أحد بعد عيسى يحيي الموتى ، لظننت أنه يحيي الموتى ، ولقد كانت تأتيني أخباره ظاهرا وباطنا ، فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدا ، بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه ، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته ، ولكني عجبت من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدميه فزهد فيها ، حتى صار مثل الراهب ، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا » « 2 » . هذه أجمل صورة للعلاقات الإسلامية البيزنطية ، تحمل أكثر من دلالة ، ولها
--> ( 1 ) المصدر السابق الصفحة نفسها وانظر مقال ماريوس كانار بعنوان « ملاحظات على هامش العلاقات بين العرب والروم » مجلة الدراسات الاستشراقية ، المجلد الأول ( ص 98 - 119 ) ( 1956 م ) . ( 2 ) مروج الذهب ( 3 / 195 ) طبع دار الفكر - بيروت . بدون تاريخ .