عبد الشافى محمد عبد اللطيف

303

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وكما يدل على اهتمام الدولة البيزنطية بأمر تلك المعاهدة أنها اختارت لرياسة الوفد الذي أرسلته إلى عاصمة الخلافة الأموية - دمشق - للتفاوض بشأنها رجلا من أشهر الدبلوماسيين في البلاط البيزنطي ، ويدعى يوحنا ، الذي كان شخصية مرموقة حظيت بالاحترام والتقدير في البلاط الأموي ، فقد حضر إلى دمشق ولقي الخليفة معاوية ، وفاوضه في عدة جلسات ، وحضرها كبار أبناء البيت الأموي ، وكبار رجال الدولة ، وقد أبدى رئيس الوفد البيزنطي من حسن التخاطب واللباقة واللياقة والإجلال للخلافة الأموية - ما أكسبه احترام الخليفة معاوية نفسه ، وجعله ينجح في عقد المعاهدة المنوه عنها آنفا « 1 » . ومما يدل على جو العلاقات بين الدولتين في ذلك الوقت وما كان يسوده من ميل إلى السلام أنهما حكمتا جزيرة قبرص حكما مشتركا ، يقول ابن حوقل : « كانت قبرص بينهم نصف للمسلمين ، ونصف للنصرانية ، وكان للمسلمين فيها أمير وحاكم » « 2 » . وفي عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ( 65 - 89 ه / 685 - 705 م ) نقض الروم معاهدتهم مع معاوية ، فجددها عبد الملك « 3 » مما يدل على الرغبة في استمرار حالة السلام بين الدولتين . ولقد بلغت العلاقات الإسلامية البيزنطية أفضل حالاتها في العصر الأموي ، في خلافة عمر بن عبد العزيز ( 99 - 101 ه / 707 - 720 م ) ، ومعاصره الإمبراطور ليون الإيسوري ( 717 - 741 م ) . فالخليفة عمر كان رجلا صالحا يكره الحرب والعنف بطبعه ، فأوقف الحروب على الحدود الإسلامية البيزنطية ، بل أمر برفع الحصار الذي كان يفرضه الجيش الإسلامي على القسطنطينية - عاصمة الدولة البيزنطية - وأمر بعودة ذلك الجيش إلى الشام ، واهتم بأمر الأسرى المسلمين الذين كانوا في أيدي البيزنطيين ، فأرسل إلى القسطنطينية وفدا من أجل التفاوض لافتدائهم ، وعودتهم إلى بلادهم . ولقد كان الاحترام والإعجاب متبادلين بين الخليفة والإمبراطور على المستوى الشخصي ، فقد روى مؤلف سيرة عمر بن عبد العزيز « 4 » ، أنه عندما مرض الخليفة

--> ( 1 ) د . السيد الباز العريني - الدولة البيزنطية ( ص 133 ) . ودار النهضة العربية القاهرة سنة ( 1960 م ) . ( 2 ) المسالك والممالك ( ص 160 ) . ( 3 ) البلاذري - فتوح البلدان ( ص 64 ) . ( 4 ) ابن عبد الحكم - سيرة عمر بن عبد العزيز ( ص 118 ) .