عبد الشافى محمد عبد اللطيف

299

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وهذه الرسالة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعليق ، إنما يكفي أن نقول : إن الإسلام قد أقام علاقات المسلمين بغيرهم - وبصفة خاصة أهل الكتاب - اليهود والنصارى - على أسس وقواعد ثابتة يمكن تلخيصها فيما يأتي : 1 - أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم هو السلام ، وأن الحرب هي الاستثناء الذي لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى . فالإسلام دين السلام ، واسمه نفسه مشتق من السلام ، بل إن الإسلام ينظر إلى الحرب على أنها من إغواء الشيطان ، ولذلك يدعو المسلمين جميعا إلى تجنبها والدخول في السلام ، بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ البقرة : 208 ] كما يأمر الإسلام المسلمين بالجنوح إلى السلام إذا جنح الأعداء ، بقول اللّه تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأنفال : 61 ] ، وحتى في أثناء الحرب إذا كف العدو عن القتال فيجب أن يكف عنه المسلمون فورا ، ويقول تعالى : فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [ النساء : 90 ] . والنصوص في هذا الباب في القرآن والسنة لا حصر لها . 2 - الأصل الثاني الذي تقوم عليه علاقات المسلمين بغيرهم ؛ هو النظر إلى الناس جميعا على أنهم أمة واحدة ، ومن أب واحد وأم واحدة ، دون تفرقة على أساس الجنس أو اللون أو اللغة ، وقد صرح القرآن الكريم بهذه الوحدة الإنسانية في أصل الخلقة في كثير من آياته منها قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] وكذلك صرحت السنة النبوية بذلك في أحاديث تفوق الحصر . 3 - الأصل أو الأساس الثالث الذي أقام عليه الإسلام علاقات المسلمين بغيرهم ، هو الوفاء بالعهود والمواثيق التي تنظم تلك العلاقات ، وهذه قضية أكد عليها الإسلام تأكيدا شديدا ، ولم يبح للمسلمين تحت أي ظرف من الظروف نقض معاهداتهم مع غيرهم أو نكثهم بها ، حتى ولو لحقهم ضرر من التمسك بها ؛ لأن أي ضرر - مهما كان - أخف من نقض العهد وما يترتب عليه من فقدان الثقة بين الأمم والشعوب ؛ لأن معظم الحروب والكوارث التي تحدث بين الدول والأمم والشعوب لا تحدث لعدم وجود معاهدات - فما أكثر المعاهدات - ولكن تأتي من