عبد الشافى محمد عبد اللطيف

275

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

سنوات فتح بلادا شاسعة فيما وراء النهر ، ثم عبر نهر سيحون وفتح الشاش وفرغانة وأشر وسنة وكاشغر ، كما أرهب ملك الصين وحمله على دفع الجزية . وسيبقى اسم قتيبة بن مسلم الباهلي من الأسماء المضيئة في التاريخ الإسلامي ، فقد أضاف للعالم الإسلامي إضافة رائعة ، ووجه مدنا كبخارى وسمرقند وغيرها لتكون مراكز مشرقة للحضارة الإسلامية في وسط آسيا . * بلاد ما وراء النهر بعد قتيبة : توقفت فتوحات قتيبة عند مقاطعة كاشغر ، ملامسا بذلك حدود الصين ، ولم تسمح التطورات التي حدثت في الدولة الأموية بعد موت الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة ( 96 ه ) باستمرار الفتوحات ؛ لأن الفاتح البطل نفسه قتيبة قد قتل « 1 » في حركة شغب وسوء فهم من الجند - لا مجال لتفسيرها - هنا ولكن الدولة الأموية وإن كانت لم تواصل حركة الفتوحات إلا أنها لم تفرط في الإنجازات التي حققها قتيبة في تلك البلاد ، بل كرست جهودها فيما تبقى لها من أيام في تثبيت الفتوحات والسيادة الإسلامية ، وتهيئة البلاد لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة ، وقد اقتدى خلفاء بني أمية في هذا المجال - خاصة سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك - بعمل معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه في بلاد فارس - وقد أشرنا إلى ذلك من قبل - وكما نجحت سياسة معاوية وتحولت إيران بشكل تدريجي وسريع إلى الإسلام ، بل أصبحت بلاد فارس من أول المدافعين عن الإسلام ، وأصبحت قاعدة الانطلاقة الكبرى التي قادها في بلاد ما وراء النهر . فقد نجحت كذلك جهود الأمويين الأواخر - رغم ما صادف دولتهم من مشكلات كبيرة - كان أخطرها الدعوة العباسية - أقول رغم ذلك نجح الأمويون في معركة تثبيت الفتوحات في بلاد ما وراء النهر ، والتمكين للنفوذ الإسلامي ، وتهيئة البلاد لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا ، وأصبحت بلاد ما وراء النهر بدورها مدافعة بحماس عن الإسلام وعاملة على نشره بين الأتراك الشرقيين ولم تكن تلك المهمة سهلة ؛ بل كانت أصعب من مهمة الفتح ذاتها ، وكانت بعيدة الأثر في تاريخ الإسلام بصفة عامة ، وتاريخ أواسط آسيا بصفة خاصة ولقد أخلصت بلاد ما وراء النهر للإسلام كل الإخلاص وغدت جزآ من أهم أجزائه ، غيرة عليه

--> ( 1 ) المصدر السابق ( 1 / 180 ) .