عبد الشافى محمد عبد اللطيف
276
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وتمسكا به ، فمنذ أن أدخل قتيبة بن مسلم الباهلي الإسلام في هذه البلاد ، وهو صامد وثابت كالجبل الأشم ، رغم المحن والخطوب الهائلة التي تعرض لها عبر تاريخه الطويل هناك ، والتي كان آخرها محنة السيطرة الشيوعية - والتي استمرت نحو ثلاثة أرباع القرن - والتي بذلت كل جهودها وأساليبها الوحشية والهمجية في القمع والتنكيل بالمسلمين لزعزعة الإسلام ، وهز مكانته بل محوه من البلاد ولكنها - بحمد اللّه وفضله - فشلت ، وذهبت الشيوعية إلى سلة قمامة التاريخ ، وبقي الإسلام وسيبقى بإذن اللّه تعالى إلى قيام الساعة وصدق اللّه العظيم حيث يقول : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [ الرعد : 17 ] . ولقد عبر أحد علماء المسلمين من تلك البلاد - والذي حضر احتفال مصر بليلة القدر ويوم الدعاة في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ( 1412 ه ) - عن فرحتهم بزوال الكابوس الشيوعي بقوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ فاطر : 34 ] . نعود إلى جهود الأمويين التي بذلوها للتمكين للإسلام في تلك البلاد - والتي لم تأخذ حقها من الدراسة والتنويه حتى الآن - فقد واجهوا الموقف بكل تعقيداته ومشاكله برجولة وإقدام ، ولعل تذكّر طبيعة تلك البلاد وما كانت عليه أحوالها السياسية والاجتماعية يرينا إلى أي مدى كان الموقف صعبا ، ولقد قاومت تلك البلاد الفاتحين المسلمين بضراوة ، وكانت تلك المقاومة نابعة من عدم فهمهم لطبيعة الإسلام وما يحمله لهم من خير وسعادة وعزة وكرامة . ولكنهم بعد أن عرفوا قيمة الإسلام وأهدافه غيروا موقفهم من العداء الشديد إلى الحماس الشديد للإسلام ، ومن خير ما يصور هذا التغيير ما يقرره المؤرخ والمستشرق المجري أرمينيوس فامبري في كتابه « تاريخ بخارى » ؛ حيث يقول : « إن بخارى التي قاومت العرب في البداية مقاومة عنيفة ، قد فتحت لهم أبوابها لتستقبلهم ومعهم تعاليم نبيهم ، تلك التعاليم التي قوبلت في البداية بمعارضة شديدة ، ثم أقبل القوم من بعد عليها في غيرة شديدة ، حتى لترى الإسلام - الذي أخذ شأنه اليوم يضعف في جبهات آسيا الآخرى - وقد غدا في بخارى اليوم - ( 1873 م ) - على الصورة التي كان عليها أيام الخلفاء الراشدين » « 1 » . هذه شهادة مؤرخ باحث أوربي على التحول الهائل الذي أحدثه الإسلام في بلاد
--> ( 1 ) تاريخ بخارى ( ص 67 ) .