عبد الشافى محمد عبد اللطيف

274

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

أشراف من معكم يخبرنا عنكم ، ونسائله عن دينكم » « 1 » . اختار قتيبة عشرة - وقيل : اثني عشر - من خيرة رجاله ، برئاسة هبيرة بن المشمرج الكلابي ، وأرسلهم إلى ملك الصين ، ويقص الطبري خبر تلك السفارة الإسلامية إلى بلاط ملك الصين في حديث طويل ، ونكتفي منه بما انتهى إليه الحوار ، حيث قال ملك الصين للوفد المسلم في أسلوب تغلب عليه نبرة التهديد : انصرفوا إلى صاحبكم ، فقولوا له : ينصرف عن بلادنا ، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه ، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه فرد عليه رئيس الوفد ، في شجاعة وعزة المؤمن : أيها الملك كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون ، وكيف يكون حريصا من خلّف الدنيا وراءه قادرا عليها وغزاك في بلادك ، وأما تخويفك إيانا فإن لنا آجالا إذا حضرت وأكرمها اللّه بالقتل فلسنا نكرههه ولا نخافه « 2 » . أعادت هذه المقالة ملك الصين إلى صوابه ، وأيقن أنه أمام قوم لا يجدي معهم التهديد ولا الوعيد ، فاعتدل في كلامه ، وقال لهبيرة في نبرة جديدة غير نبرة التعالي الأولى : فما الذي يرضي صاحبكم ؟ قال هبيرة : إنه حلف ألا ينصرف عن بلادكم حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ، ويعطى - أي : يأخذ منكم - الجزية . قال الملك : فإنا نخرجه من يمينه ، فنبعث إليه ترابا من أرضنا فيطؤه ، ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم ، ونبعث إليه بجزية يرضاها ، ثم دعا بصحاف من ذهب وملأها ترابا ، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء الملوك ، ثم أجاز الوفد جوائز حسنة ، فعادوا إلى قتيبة ، فرضي وقبل الجزية وختم الغلمان ، ووطئ التراب « 3 » . اكتفى قتيبة بهذا من ملك الصين ، ويبدو أن الذي حمله على التساهل وقبول الحل الوسط الذي عرضه الملك ما حدث في داخل الدولة الإسلامية فقد توفي الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة ( 96 ه ) ، ولم تكن علاقة قتيبة على ما يرام مع الخليفة الجديد سليمان بن عبد الملك « 4 » ( 96 - 99 ه ) لذلك لم ير أنه من المناسب أن يتوغل فاتحا في بلاد الصين وهو لا يحس بالأمان من ورائه . وعلى كل حال حسب هذا الرجل العظيم والفاتح الكبير أنه في غضون عشر

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 6 / 500 - 503 ) . ( 2 ) الطبري ( 6 / 501 - 503 ) . ( 3 ) المصدر نفسه ( 6 / 503 ) . ( 4 ) انظر زين الأخبار - مصدر سابق ( 1 / 179 ) .