عبد الشافى محمد عبد اللطيف

270

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وأسرا كيف شاؤوا ، واعتصم من دخل المدينة بالمدينة - وهو قليل - فوضع قتيبة الفعلة في أصلها ليهدمها ، فسألوه الصلح فصالحهم واستعمل عليها رجلا من بني قتيبة « 1 » . هذا هو تلخيص الطبري لمعركة الاستيلاء على مدينة بيكند ، التي لم يلبث أهلها أن نقضوا الصلح ، وقتيبة منهم على خمسة فراسخ ، مما اضطره أن يرجع إليهم وأن يقتل من كان بها ، وأن يغنم غنائم كثيرة ، قوي بها أمر المسلمين واشتروا السلاح والخيل وتنافسوا في حسن الهيئة - على حد تعبير الطبري - « 2 » ثم عاد قتيبة إلى مرو ليستريح ليبدأ مرحلة جديدة من جهاده ، فواصل حملاته على إقليم بخارى ، ففي سنة ( 88 ه ) ترك أخاه بشارا على مرو ، وعبر هو النهر ففتح نو مشكت ودامثنة - من أعمال بخارى - صلحا ، بناء على طلب ورغبة أهلها « 3 » . ولكنهم لم يكونوا صادقين في طلب الصلح ، بل كانت قلوبهم تنطوي على الخديعة والمكر ، فقد فاجؤوا قتيبة بتجمع هائل من الأمم المجاورة - فرغانة والصغد - يقوده ابن أخت ملك الصين ، مما يدل على أن الأمم في تلك البلاد قد تداعت وتحالفت على المسلمين وأن الصين قد ألقت بثقلها في المعركة لكن اللّه نصر جنده - على حد تعبير الطبري - « 4 » . وفي العام التالي ( 89 ه ) استأنف قتيبة غزوه ، الذي كان يقوم به في فصل الصيف - لقسوة الشتاء في تلك البلاد - وهذه السنة قصد بخارى ، بناء على تعليمات وأوامر من الحجاج ، فلقيه في طريقه جمع من أهل كش ونسف فظفر بهم ، ومضى إلى بخارى فتصدى له ملكها - وردان خداه - فلم يستطع الاستيلاء عليها ، فرجع إلى مرو ، وكتب إلى الحجاج بخبره ، فطلب منه أن يصورها له ، فبعث إليه بصورتها ، فنصحه وأمره وعرّفه الموضع الذي يأتيها منه ، فسار إليها ثانية سنة ( 90 ه ) ، وفتحها بعد معركة انتصر فيها على جمع كبير من الصغد والترك الذين كان ملكها قد استعان بهم ، وبهذا توج قتيبة أعماله في هذه المرحلة بفتح بخاري التي سيكون لها في تاريخ الإسلام والمسلمين شأن عظيم . المرحلة الثالثة ( 90 - 93 ه ) : في هذه المرحلة التي استغرقت ثلاث سنوات كسابقتها استطاع قتيبة أن يبسط

--> ( 1 ) الطبري ( 6 / 430 ) وابن الأثير - الكامل في التاريخ ( 4 / 528 ) . ( 2 ) المصدر السابق ( 6 / 432 ) . ( 3 ) الطبري ( 6 / 436 ) . ( 4 ) المصدر السابق ( 6 / 436 ) .