عبد الشافى محمد عبد اللطيف
271
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
السيادة الإسلامية على كل ما وراء نهر جيحون ، وتوج ذلك بفتح مدينة سمرقند أعظم مدائن الإقليم ، وكان طرخون ملك الصغد قد أرسل إلى قتيبة بعد انتصاره في معركة بخارى سنة ( 90 ه ) يطلب الصلح فأجابه وصالحه ورجع إلى مرو « 1 » . لكن الملك نقض الصلح - الذي كان هو الداعي إليه - وامتنع عن دفع الجزية التي كان قد التزم بها ، مما جعل قتيبة يغضب ، ويقرر أن يضع حدّا لهذا العبث ، وأن يلقّن هذا الملك الغادر درسا لن ينساه وليكون عبرة لغيره ، فجهّز أخاه عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألف مقاتل وسيره أمامه ، ثم تبعه هو في أهل خوارزم وبخارى ، وضرب الحصار على المدينة وقال : « إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » ؛ تيمّنا بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم عندما حاصر خيبر . فلما رأى أهل سمرقند عزمه على فتح المدينة بالقوة كتبوا إلى ملوك الشاش وفرغانة يستغيثون بهم ، وقالوا لهم محرضين : إن العرب إذا ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به ، فانظروا لأنفسكم « 2 » ، فاستجاب هؤلاء الملوك ، واختاروا عددا من أهل النجدة والبأس من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال ، ووضعوا إليهم خطة لمفاجأة معسكر المسلمين - أثناء انشغالهم بحصار سمرقند - ولكن قتيبة لم يكن بالقائد الذي يؤخذ على غرة ، ولم يغب عن فكره حدوث مثل هذه المفاجات ، فعلم بخبر هذا التجمع ، وفاجأهم قبل أن يفاجئوه ، بفرقة من جيشه بقيادة أخيه صالح ابن مسلم ، فهزمهم وبدد شملهم وقتلهم ولم يفلت منهم إلا الشريد « 3 » ، وغنم المسلمون أمتعتهم وأسلحتهم ، وتدهورت معنويات الصغد بعد أن رأوا هزيمة أهل فرغانة والشاش ، وهذا النصر قوى من عزيمة المسلمين ورفع معنوياتهم ، وقرر قتيبة تشديد الحصار على سمرقند ، ونصب عليها المنجنيق ، وأحدث بها ثلمة وصاح كالأسد الهصور : حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان ؟ إني واللّه لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية ، فلما أصبح أمر الناس بالجد في القتال ، فقاتلوهم واشتد القتال ، ولما رأى أهلها أن هزيمتهم أصبحت حتمية طلبوا الصلح ، فصالحهم قتيبة على ألفي ألف مثقال ومائتي ألف كل عام ، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس ، وأن يخلوا المدينة فلا يكون لهم فيها مقاتل ، فيدخلها ويا بني فيها
--> ( 1 ) الطبري ( 6 / 445 ) . ( 2 ) المصدر السابق ( 6 / 473 ) . ( 3 ) الطبري المصدر السابق ( 6 / 474 ) .