عبد الشافى محمد عبد اللطيف

27

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

وكان اهتمام الزهري بالكتابة والتدوين هو الذي مكّنه من نشر علمه ، وبوّأه تلك المكانة العلمية الرفيعة التي حظي بها في أوساط العلماء ، وفي بلاط الخلفاء ومجالسهم ، وكان هو شديد الفخر بذلك ، وروي عنه أنه كان يقول : « ما نشر أحد من الناس هذا العلم نشري ، ولا بذله بذلي » . ولقد ضاع ما كتبه ودونه الزهري بنفسه ، ولم يصل إلينا كما هو . ولولا ما بقي لنا من علمه مما رواه تلامذته - وبصفة خاصة أشهرهم وأنبغهم محمد بن إسحاق - لكانت خسارتنا فادحة ، فإلى ابن إسحاق يرجع الفضل الأكبر في حفظ علم أستاذه الزهري ، فهو الذي أوصله إلينا ؛ لأنه كانت تربطه بأستاذه علاقة متينة قائمة على الحب والاحترام ، ومما دل على قوة تلك العلاقة ومتانتها ورفعة مكانة ابن إسحاق عند أستاذه وثقته فيه ؛ أنه كان يعتبره مرجعه الأول في كل ما يتعلق بسيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم مما يحصل عليه من معلومات من طرق أخرى ليتثبّت من صحتها . فعندما زار ابن إسحاق مصر والتقى بعالمها الكبير يزيد بن أبي حبيب ، وروى عنه العلم ، أرسل إلى أستاذه الزهري ، ليتثبت من صحة بعض الروايات وذلك من أمثال القصة التالية فقد قال ابن إسحاق نفسه : « حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري ، أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى البلدان ، وملوك العرب والعجم ، وما قال لأصحابه حين بعثهم ، قال - ابن إسحاق - : فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه » « 1 » . واسم الزهري هو الأشهر والأكثر ذكرا في سيرة ابن إسحاق ، وكثيرا ما يعبر فيما يتعلق بروايته عن الزهري ، بقوله : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وأحيانا يقول : حدثني الزهري فقط ، أو حدثني ابن شهاب ، أو سألت ابن شهاب الزهري ، إلى غير ذلك من التعابير . وكان للزهري - الذي توفي ( سنة 124 ه ) - عدد آخر من التلاميذ غير ابن إسحاق ، وإن كانوا أقل شهرة من ابن إسحاق ، ومنهم موسى بن عقبة المتوفى حوالي عام ( 141 ه ) ، ومعمر بن راشد المتوفى حوالي ( عام 154 ه ) وهما من رجال الطبقة الثالثة ومن كبار علماء المغازي والسير .

--> ( 1 ) سيرة ابن هشام ( 4 / 177 ) .