عبد الشافى محمد عبد اللطيف

269

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

قطع النهر تلقاه تيش الأعور ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب فدعاه إلى بلاده ، وأتى ملك كفتان بهدايا وأموال ، ودعاه - أيضا - إلى بلاده ، فمضى مع تيش إلى الصغانيان فسلمه بلاده ، ثم جاء غستاسبان ملك أخرون وشومان ، وهما من طخارستان ، فصالحه على فدية أدّاها إليه فقبلها قتيبة ورضي ثم انصرف إلى مرو ، واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم . يفهم من رواية الطبري والبلاذري كليهما أنه أصبح لقتيبة هيبة عظيمة في تلك البلاد وأن طخارستان خضعت له دون قتال ، وأن ملوك وأمراء بلاد ما وراء النهر هرعوا إليه يقدمون الهدايا وفروض الطاعة ويدعونه إلى بلادهم ويسلمونها إليه ، ولكن الطبري نفسه يروي رواية أخرى - وإن كانت بصيغة المبني للمجهول - يفهم منها أن قتيبة لقي حربا ، فهو يقول : « وقيل : إن قتيبة أقام قبل أن يقطع النهر في هذه السنة - ( 86 ه ) - على بلخ ؛ لأن بعضها كان منتقضا عليه فحارب أهلها ، ثم إن أهل بلخ صالحوا من غد اليوم الذي حاربهم فيه قتيبة » « 1 » ، وعلى كل حال لا يبدو الخلاف كبيرا بين الروايتين ؛ لأن أهل بلخ لم يكونوا ملحّين في حربهم قتيبة ، بدليل أنهم صالحوه من غد اليوم الذي حاربوا فيه ، والنتيجة أن طخارستان خضعت طوعا ، أو صلحا بعد قتال يسير ، وأن قتيبة اطمأن إلى أوضاعها ، وبدأ يتأهب لبدأ جهاده الكبير فيما وراء النهر . المرحلة الثانية ( 87 - 90 ه ) : بدأ قتيبة أولى خطواته لفتح ما وراء النهر سنة ( 87 ه ) « 2 » ، فعبر النهر واتجه إلى مدينة بيكند - وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر - والتي كان المسلمون قد غزوها مرارا كثيرة - قبل قتيبة - فلما نزل بغفوتهم - على حد تعبير الطبري - استنصروا الصغد ، واستنجدوا من حولهم ، فأتوهم في جمع كثير وأخذوا بالطريق ، فلم ينفذ لقتيبة رسول ، ولم يصل إليه رسول ، ولم يجر له خبر شهرين ، وأبطأ خبره على الحجاج ، فأشفق الحجاج على الجند ، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد ، وكتب بذلك إلى الأمصار ، وهم يقتتلون كل يوم ، فكانت بين الناس مشاولة - القتال بالرماح - ثم تزاحفوا والتقوا ، وأخذت السيوف مأخذها وأنزل اللّه على المسلمين الصبر فقاتلوهم حتى زالت الشمس ، ثم منح اللّه المسلمين أكتافهم فانهزموا يريدون المدينة ، واتبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول ، فتفرقوا وركبهم المسلمون قتلا

--> ( 1 ) الطبري ( 6 / 425 ) . ( 2 ) أبو سعيد الكرديزي ، زين الأخبار ( 1 / 179 ) .