عبد الشافى محمد عبد اللطيف

255

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

[ البحث التاسع ] الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وانتشار الإسلام هناك * تمهيد : الحديث عن الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر يقتضي الإلمام - ولو بإيجاز شديد - بفكرة عامة عن طبيعة الفتح الإسلامي - وبفتح إيران - بلاد فارس - بصفة خاصة ؛ لأن كتائب الفتح الإسلامي التي انطلقت لفتح بلاد ما وراء النهر ، قد انطلقت من إقليم خراسان - شمال شرق إيران - الذي أصبح القاعدة الرئيسية لفتح ما وراء النهر ، ولعب في فتحها الدور الذي لعبته البصرة والكوفة في فتح إيران ، والدور الذي لعبته مصر في فتح المغرب العربي ، والدور الذي لعبه المغرب العربي في فتح الأندلس ، والفتوحات الإسلامية الكبرى ، التي تمت في القرن الهجري الأول - والتي امتدت من شبه جزيرة أيبريا - الأندلس - في الغرب ، إلى حدود الصين في الشرق ، ومن بحر قزوين في الشمال إلى المحيط الهندي في الجنوب - هذه الفتوحات تمت على مرحلتين رئيسيتين ، كل مرحلة استمرت نحو عشر سنوات ، الأولى بدأت عام ( 12 ه ) في خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، واستمرت طوال خلافة عمر بن الخطاب ( 13 - 23 ه ) رضي اللّه عنه ، وخلال هذه الفترة ، فتحت العراق وكل بلاد فارس والشام ومصر ، بل تجاوزت الفتوحات حدود مصر غربا ووصلت إلى حدود تونس الحالية في عهد عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، والمرحلة الثانية ، هي فترة خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان ( من سنة 86 إلى سنة 96 ه ) ، وفيها استكمل المسلمون فتح شمال إفريقيا حتى المحيط الأطلسي ، ثم عبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الأندلس ، وفي المشرق فتحوا أقاليم ما وراء النهر - وهو موضوع بحثنا - ثم فتحوا إقليم السند - وهو الإقليم الشمالي الغربي من شبه القارة الهندية . والمتأمل لحركة الفتوحات الإسلامية هذه ، منذ انطلاقتها الأولى - خارج شبه الجزيرة العربية - في عهد الصديق رضي اللّه عنه ، وعبر تطوراتها وتصاعد موجاتها وحتى بلغت قمتها في عهد الوليد بن عبد الملك يلاحظ - إن كان منصفا - أنه لم يكن للمسلمين خطة أو برنامج معد سلفا للفتح خارج شبه جزيرة العرب ، والصدام عسكريّا مع الآخرين ؛ لأن غاية المسلمين الأولى ، بل واجبهم الأساسي هو نشر الإسلام ، وهذا لا يتطلب أعمالا حربية لأن الإيمان مقره القلوب ، والقلوب