عبد الشافى محمد عبد اللطيف
256
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
لا يستطيع أحد أن يفرض عليها شيئا بالقوة . وكل ما كان يطلبه المسلمون من الآخرين - خاصة جيرانهم الفرس والروم - أن يفسحوا لهم الطريق ، ليدعوا الناس إلى دينهم - بدن عوائق وموانع - بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمرهم ربهم ، ولكن الفرس والروم أبوا ذلك ، وحملوا المسلمين حملا على حمل السيف واللجوء إلى القوة لإزاحتهم من طريق الدعوة ، فالحروب الإسلامية لم تكن لنشر الإسلام وإنما كانت لتحقيق الحرية لنشر الإسلام ، ولو كانت الحروب لنشر الإسلام ، وحمل الناس على اعتناقه بالقوة ؛ لما بقي فرد واحد غير مسلم في كل بقاع الأرض التي وصلتها الجيوش الإسلامية ، ولكن هذا لم يحدث وبقي أناس كثيرون غير مسلمين - وإلى الآن - في تلك البلاد وهذا دليل على أن الحروب لم تكن لنشر الإسلام وإنما لحماية الدعوة من الطغاة المتجبرين . والذي يتأمل سياسة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في هذا المجال يجدها قائمة على تأمين شبه الجزيرة العربية ، قاعدة الإسلام ومرتكزه ومنطقه - من أي عدوان خارجي - انظر على سبيل المثال أهداف غزوة مؤتة وتبوك وبعث أسامة بن زيد - ثم دعوة الناس خارج شبه جزيرة العرب إلى الإسلام بالحسنى والكلمة الطيبة ، وتمثل ذلك في الرسائل التي أرسلها - صلوات اللّه وسلامه عليه - إلى الملوك والأباطرة والأمراء ومنهم كسرى أيزويز الثاني - ملك الفرس - وكانت كلها رسائل سلمية ولم ترد فيها كلمة واحدة عن الحرب أو التهديد بها . * المسلمون والفرس : تجمع المصادر على أن كسرى أيزويز الثاني مزّق رسالة النبي - علوّا واستكبارا - بل طلب من باذان نائبه على حكم اليمن أن يقبض له على النبي ليقتله ، عقابا له على جرأته ، ومخاطبة ملك الملوك ودعوته إلى الإيمان باللّه ورسوله ، والنبي لم يزد عند سماعه بذلك على أن قال : « مزّق اللّه ملكه » « 1 » . لا يشك عاقل في أن هذا الموقف من جانب ملك فارس عدائي للغاية ، وسوف يتطور ويتصاعد العداء أكثر وأكثر ، وتجلى ذلك في موقف الفرس من حروب الردة ، وتحريضهم للقبائل العربية الخاضعة لنفوذهم في منطقة الخليج على الردة والتمرد على
--> ( 1 ) انظر تاريخ الطبري ( 2 / 654 ) .