عبد الشافى محمد عبد اللطيف
238
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
عنها منذ أن فتحها العرب ، ولم يفقدوا الأمل في استعادتها منهم ، كما نجحوا في استعادتها من الفرس من قبل . ومما زاد من عناية العرب الفاتحين بالإسكندرية تعرضها لهجوم بحري بيزنطي خطير بعد فتحها ، مما يدل على إصرار البيزنطيين على استردادها . ففي سنة ( 25 ه / 645 م ) هاجم أسطول بيزنطي ضخم مدينة الإسكندرية واستطاع أن يستولي عليها بمساعدة من بقي فيها من الروم ، الذين أبقاهم المسلمون ومنحوهم الحرية والأمان ، ولكنهم لم يحفطوا هذا كله ، بل غدروا وتعاونوا مع الأسطول البيزنطي ، وسهلوا له الاستيلاء على الإسكندرية ، ولم يقنع قائد الأسطول البيزنطي مانويل بالاستيلاء على الإسكندرية ، بل سار بقواته جنوبا إلى حصن بابليون لاستعادة مصر كلها . الأمر الذي جعل الخليفة عثمان بن عفان يعهد إلى عمرو بن العاص - فاتح مصر والذي كان قد طلب إعفاءه من ولايتها - بمهمة طرد الروم منها ثانية . ولم يتردد القائد الكبير والفاتح العظيم في القيام بواجبه ، وقد نجح في طرد الروم من مصر كلها مرة أخرى وإلى الأبد « 1 » . هذه الحادثة قوت عزيمة المسلمين وأقنعتهم بضرورة الإسراع في بناء قوتهم البحرية الذاتية ، وأكدت أن معاوية بن أبي سفيان كان على حق ، وكان رجلا بعيد النظر حين فكّر في بناء الأساطيل البحرية الإسلامية ، وإصراره على تنفيذ مشروعه ، مهما كانت العقبات والمعارضات . كانت الإسكندرية إذن من أوائل الموانئ المصرية التي أحيا فيها العرب الفاتحون صناعة بناء السفن ، ولم تصبح مركزا من أهم مراكز صناعة السفن الحربية فحسب ، بل أصبحت قاعدة لانطلاق الأساطيل المصرية في العصر الإسلامي لغزو بلاد الروم نفسها . ولم تكن تمد الأسطول المصري وحده بالسفن اللازمة ، بل كانت تبني فيها السفن اللازمة للأسطول الشامي ، بناء على طلب معاوية بن أبي سفيان « 2 » الذي أصبح خليفة منذ سنة ( 41 ه / 660 م ) وأصبح صاحب القرار ، وليس في حاجة إلى استئذان أحد ، ومن هنا كانت انطلاقة المسلمين البحرية . ويتضح من أوراق البردي العربية ، والتي اكتشفت بالصدفة في كوم شقاو - أفروديتو - من أعمال محافظة أسيوط ، يتضح من هذه الأوراق أن الإسكندرية
--> ( 1 ) ابن عبد الحكم - فتوح مصر ( ص 117 ، 118 ) . ( 2 ) تاريخ البحرية المصرية - تأليف لفيف من أساتذة جامعة الإسكندرية ( ص 342 ) .