عبد الشافى محمد عبد اللطيف
228
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
قابل بهذا الجيش الصغير جيوش البيزنطيين التي كانت مرابطة في مصر وقوامها مائة ألف جندي « 1 » . عدا الفلول التي انهزمت في الشام ولجأت إلى مصر ، وانتصر على كل هذه الأعداد الكبيرة ؛ لأنها فقدت روح القتال ، وهبطت معنوياتها إلى الحضيض ، ولم تستطع الصمود في أية معركة أمام الجيش الإسلامي ، بدا من حصار الفرما وسقوطها ، ومرورا بمعارك بلبيس وأم دنين وعين شمس ، وحصن بابليون ، ثم معاركه في الدلتا حتى فتح الإسكندرية ( سنة 21 ه / 642 م ) واستغرق هذا الفتح نحو ثلاث سنوات « 2 » . وكان أسهل فتح حققه العرب في بلد من البلاد ، بسبب ترحيب المصريين بهم ومساعدتهم لهم ، وقد كانوا عند حسن ظن المصريين بهم ، فأحسنوا معاملتهم واحترموا عقيدتهم ، ووفروا لهم حرية الدين التي افتقدوها في العهد البيزنطي ، وأعادوا لهم رأس كنيستهم ؛ البطريرك بنيامين ، الذي كان مطاردا ومحكوما عليه بالإعدام من السلطات البيزنطية ، لكن عمرو بن العاص لم يعده إلى كنيسته معززا مكرّما فقط ؛ وإنما جعله من أقرب المقربين إليه ، بل مستشاره في شؤون مصر الإدارية والمالية . كيف نشأت فكرة فتح مصر في ذهن عمرو بن العاص ، وما هي البواعث والدوافع الدينية والسياسية والعسكرية والاقتصادية التي جعلته يقتنع بضرورة فتحها وضمها للدولة الإسلامية وطرد البيزنطيين منها ، وكيف نجح في إقناع الخليفة عمر بن الخطاب بفكرته حتى وافقه عليها ، وكيف كانت وقائع ذلك الفتح العظيم ونتائجه ؟ كل ذلك تجيب عنه أبحاث أخرى في هذا الكتاب . أما هذا البحث فقد خصص لموضوع محدد ؛ وهو دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية وبناء الأساطيل الحربية ، لا لمصر وحدها ، بل لبلاد الشام وبلاد المغرب العربي الإسلامي ؛ لأن مصر أصبحت منذ الفتح الإسلامي هي حصن الإسلام ورباطه في جناحه الغربي ، أي حارسة أرضه والذائدة عن حياضه ؛ وهذا أمر قد أخبر عنه النبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل الفتح بسنوات ؛ فقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا فتح اللّه عليكم مصر ؛ فاتخذوا فيها جندا كثيفا . فذلك
--> ( 1 ) ابن عبد الحكم - المصدر السابق ( ص 56 ) . ( 2 ) انظر عن هذه المعارك تاريخ الطبري ( 4 / 104 ) وما بعدها . وانظر حركة الفتح الإسلامي في القرن الأول للدكتور شكري فيصل ( ص 118 ) وما بعدها .