عبد الشافى محمد عبد اللطيف
229
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
الجند خير أجناد الأرض » فقال أبو بكر : ولم يا رسول اللّه ؟ قال : « لأنهم وأزواجهم في رباط إلى اليوم القيامة » « 1 » . فكلما ألمّ بالإسلام خطر داهم كانت مصر هي المنقذ ، قد تكرر ذلك كثيرا ، فمصر هي التي تصدّت للصليبيين ، وضربتهم ضربتها القاضية في حطين ، على أرض فلسطين ، على أيدي البطل العظيم ؛ صلاح الدين الأيوبي ( سنة 583 ه / 1187 م ) « 2 » ثم تابع حكام مصر بعده ، سواء من أسرته أو من المماليك محاصرة الصليبيين ومطاردتهم ، حتى طهّروا منهم أرض المشرق الإسلامي في نهاية المطاف . ومصر هي التي تصدّت للهجمة المغولية المتوحشة ، التي داهمت العالم الإسلامي من المشرق ، واكتسحته اكتساحا ، وأحدثت فيه من المجازر الوحشية ما لم يعرفه العالم قبل ذلك قط ، وأعملت التخريب والتدمير في مدنه العامرة ، بدا من سمرقند وبخارى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية ، وبعدها مدن الشام العامرة ، ولم يستطع أحد أن يوقف هذا السيل الوحشي المدمر إلا جيش مصر ، في عين جالوت ، على أرض فلسطين أيضا بقيادة السلطان قطز والقائد الفذ الظاهر بيبرس ( سنة 658 ه / 1260 م ) « 3 » . ومصر هي التي تصدّت وتتصدّى للهجمة الصهيونية المعاصرة ، المدعومة بكل جبروت أمريكا وأوروبا العسكري والسياسي ، ورغم ذلك فقد قطع جيش مصر البطل الذراع الصهيونية وقهر جيشها الذي قيل عنه : إنه لا يقهر . فمصر إذا بموقعها الاستراتيجي الفريد ، ورصيدها الحضاري العظيم ، وشعبها الحي المكافح والمتسامح في نفس الوقت ، مصر بهذا كله لها دور ومكانة لا تستطيع أبدا أن تتخلى عن هذا الدور في الدفاع عن الإسلام ؛ لأن هذا هو ما عناه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عندما أوصى أصحابه أن يتخذوا فيها جندا كثيفا بعد الفتح ، ليرابط فيها حارسا للإسلام ومدافعا عنه ضد كل من يحاول الاعتداء على مشرقه أو مغربه ، وقول الرسول هذا عن مصر يدل على أنه كان واثقا كل الثقة من ذلك الفتح قبل وقوعه بسنوات ؛ حتى المقوقس نفسه الذي كان يحكم مصر ، والذي كتب إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام ، مع أنه لم يسلم وضنّ بملكه ، وهذا تعبيره هو نفسه ، حيث قال لحاطب بن أبي بلتعة -
--> ( 1 ) السيوطي - حسن المحاضرة ( 1 / 14 ، 15 ) طبعة الحلبي ، القاهرة . ( 2 ) د . سعيد عبد الفتاح عاشور - الحركة الصليبية ( 2 / 625 ) وما بعدها . ( 3 ) ابن كثير - البداية والنهاية ( 13 / 220 ) وما بعدها .