عبد الشافى محمد عبد اللطيف
223
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
والعزة والكرامة ؟ ! . فعمر بن الخطاب عندما عارض قادته في الاستمرار في الفتوحات كان يتصرف كرجل دولة مسؤول ، يعرف تماما ما ذا يريد وماذا يقدر عليه ، ولم يكن مرتجلا لسياسته ولا مترددا - حاشا للّه - كما تظهره بعض الروايات المتهاوية ، مثل رواية استشارته لعمرو بن العاص عن البحر والسؤال عن أحواله ، ومثل تردده في فتح مصر من البداية ، والقصة الضعيفة التي تقول : إنه أرسل لعمرو بن العاص رسالة ، وقال له فيها : إذا وصلك كتابي هذا قبل أن تدخل أرض مصر فارجع ولا تدخلها وإن وصلك وقد دخلت فلا ترجع . وأن عمرو وصله الكتاب قبل أن يصل إلى حدود مصر ، ولكنه لرغبته القوية في فتح مصر لم يفتح الكتاب إلا بعد أن تجاوز العريش ودخل في أرض مصر . وأشهد على ذلك لئلا يعاقبه الخليفة على مخالفة أوامره . هذه الرواية وأمثالها تدخل في باب الحكايات ؛ لأن فتح مصر ليس أمرا سهلا حتى يؤخذ بهذه البساطة ، بل عملا كبيرا وكان ضرورة عسكرية لتأمين الفتوحات في الشام . وترك مصر في أيدي الروم وقد انسحب إليها بقايا الجيش البيزنطي المنهزم في فلسطين يكون خطرا على المسلمين . ولو لم يفتحوا مصر لكانوا قد ارتكبوا خطأ كبيرا ؛ وهم أعقل وأحصف من أن يقعوا في مثل هذا الخطأ الجسيم . ولذلك فتح مصر تم باتفاق تام بين الخليفة عمر بن الخطاب وقائده العبقري عمرو ابن العاص ، بل إن ابن عبد الحكم يروي عن الليث بعد سعد أن عمر بن الخطاب هو الذي أمر عمرو بن العاص بالتوجه إلى مصر لفتحها ، وكتب له : « أن اندب الناس إلى السير معك إلى مصر ؛ فمن خف معك فسر به » « 1 » . وهذه الرواية تتفق مع تفكير عمر بن الخطاب ورؤيته للفتوحات ؛ وتتفق أيضا مع سير الأحداث ويقبلها العقل ، أما الرواية التي أشرنا إليها منذ قليل ؛ فيجب رفضها تماما . وإذا كان علماء الحديث لا يقبلون الحديث الذي يخالف متنه مقررات الشريعة الإسلامية ومقاصدها العليا ؛ فنحن بالقياس نرفض روايات التاريخ التي لا تتفق مع العقل والمنطق وسياق الحوادث والنظرة الكلية للأمور . ملاحظة أخيرة نسجلها ونحن في ختام هذا البحث ؛ هي أننا نلفت نظر كل من يتحدث أو يكتب عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ؛ أن يأخذ في الاعتبار الظروف التي
--> ( 1 ) فتوح مصر ( ص 57 ) .