عبد الشافى محمد عبد اللطيف
222
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وأنهم جمعوا جموعهم في نهاوند استعدادا للانقضاض على المسلمين في العراق ؛ عندئذ أدرك عمر أن الانتظار قد يكون ضارّا جدّا بالمسلمين ، وأن الجمود عند الموقف السابق قد يكون كارثة فقرر أن يكون زمام المبادرة بيده ، ولم يتردد لحظة واحدة في مواجهة الفرس ، وجهز لذلك جيشا كبيرا . لأن جولة جديدة من القتال ضد الفرس أصبحت ضرورة عسكرية حتى يعودوا إلى صوابهم ؛ فأخذ يستشير الصحابة فيما ينبغي عمله لمواجهة هذا الموقف الخطير ، فأشاروا عليه بأن يغزو أهل الشام من شامهم وأهل اليمن من يمنهم ؛ يعني يحرك قوات من الشام وأخرى من اليمن للاشتراك في معركة نهاوند ، لكن الخليفة الحصيف الحذر قال : أخاف إن أخليت الشام من الجنود أن تعود الروم إليها ، وإن أخليت اليمن من الجنود أخاف أن تغلب الحبشة على ما يليها منها « 1 » . ولذلك حرك قوات من الكوفة والبصرة ، وترك قوات الشام واليمن مرابطة حيث هي لحماية البلاد والعباد فهذه هي عظمة القيادة المسؤولة ، المهم أن الحبشة أصبحت عامل ضغط خارجي ضد المسلمين ، وكلما واتتهم الفرصة كانوا يغيرون على شواطئ اليمن والحجاز ، فقد حدث ذلك منهم في عهد عمر ، وعهد عثمان بن عفان الذي اضطر أن يشحن السواحل بالرجال والسلاح لصد هجمات الأحباش « 2 » . كانت هناك إذن أخطار خارجية تهدد الدولة الإسلامية ، خاصة من جانب بيزنطة وكان على الخليفة العظيم أن يحسب لهذه الأخطار حسابها ، ولذلك كانت وقفته الحاسمة من استمرار الفتوحات برّا وبحرا . والنظر إلى البلاد المفتوحة ومشاكلها وإداراتها إدارة سليمة ، ونشر الإسلام والتمكين له في البلاد عن طريق المعاملة الحسنة والإدارة الحسنة والقدوة الحسنة ، فهذه هي مهمة المسلمين الأساسية ، وهذا ما كان عمر بن الخطاب يهدف إلى تحقيقه من عدم استمرار الفتوحات ، وكان يعرف يقينا أنه بعد أن ينجح المسلمون في تثبيت أقدامهم في البلاد المفتوحة ويضربون للناس المثل العملي على سمو الإسلام ومبادئه وعدله وما يحمل لهم من عزة وكرامة وحرية ، فإن الناس عندئذ سوف يقبلون على الإسلام من تلقاء أنفسهم ، فمن ذا الذي يرفض العدل والحرية والمساواة
--> ( 1 ) انظر فتوح البلدان للبلاذري ( ص 300 ) . ( 2 ) ابن أعثم الكوفي كتاب الفتوح ( 2 / 116 ، 117 ) .